التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٧ - كلام عن النسخ في القرآن
[٢/ ٢٩٣٩] و منه قول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و قد مرّ على قاض بالكوفة، فسأله: هل تعرف الناسخ عن المنسوخ؟ فقال: لا. فقال له الإمام: «إذن هلكت و أهلكت. و أضاف: تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه».[١]
و لعلّ هذا القاضي هو أبو يحيى المعرّف، كما جاء في حديث سعيد بن أبي الحسن: أنّ أبا يحيى قال له: أنا هو و ذكر القصّة.[٢]
حيث مراده عليه السّلام أنّ في القرآن عامّا و خاصّا و إطلاقا و تقييدا و إجمالا و تفصيلا و نحو ذلك، ممّا يتغيّر به المعنى عند المقارنة. يدلّ على ذلك ذيل كلامه عليه السّلام: «تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه» أي ينصرف تفسير كلّ آية إلى وجوه من عموم و خصوص و إطلاق و تقييد و أيّ تغيير، عند ملاحظة النسب القائمة بين مختلف الآيات الأمر الذي يجب التفطّن له عند الاستنباط.
و من الطبيعيّ وقوع مثل هذا النسخ في القرآن و في الحديث لا محالة و من ثمّ لا يجوز الأخذ بأيّ عموم أو إطلاق في القرآن أو في الحديث، إلّا بعد الفحص عن المخصّص أو المقيّد، و اليأس عنه. هذا أمر معروف لا غبار عليه.
إنّما الكلام في النسخ المصطلح عند المتأخّرين، أي رفع الحكم السابق رأسا و بحذافيره.
ليخلفه حكم جديد تماما.
مثل هذا النسخ، إن لوحظ بالنسبة إلى شرائع سابقة و لا حقة، أو في شريعة بالذات، ليرتفع حكم و يخلفه حكم آخر تماما .. فلعلّ وقوع مثل هذا النسخ أيضا طبيعيّ. إذ من طبيعة الحركة الإصلاحيّة الآخذة في طريق التقدّم و الاكتمال، أن يتوارد على تشريعاتها تغييرات و نسخ متتابع، حسب تدرّجها التصاعدي نحو قمّة الكمال.
و هل شملت ظاهرة النسخ- بهذا المعنى- القرآن الكريم، بأن تنسخ آية أخرى نزلت بعدها فرفعت حكمها تماما؟! الأمر الذي لا نكاد نصدّقه و لا كان له شاهد في كتاب اللّه. إنّ كتاب اللّه دستور خالد عامّ و لا معنى لأن توجد فيه آية منسوخة المفاد، لا فائدة في ثبتها سوى القراءة و الترتيل.
و ما ذكروه شاهدا لذلك، فأكثره الغالب من النسخ بمصطلحه القديم. أمّا النسخ بمصطلحه
[١] العيّاشي ١: ١٢/ ٩.
[٢] رسالة الناسخ و المنسوخ لابن حزم، بهامش تفسير الجلالين ٢: ١٥٠.