التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٣ - سورة البقرة(٢) آية ٨٣
و ذلك عملا بحكم التوراة و قد جاء فيها: «إنّك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلّا أخذته و أعتقته»[١].
هذا هو التناقض الذي يؤاخذهم عليه القرآن:
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟! و هنا يأتي تهديدهم اللاذع: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ التناقض في السلوك مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... إذ ذلك يكشف عن صلابتهم في الدين، كما يدلّ على عدم التزامهم بالخلق الكريم الأمر الذي في النهاية إلى انهيار خلقي يتعقّبه السقوط و الخزي و العار هذا في الحياة الدنيا.
وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
*** ثمّ يلتفت السياق إلى المسلمين و إلى البشريّة جميعا، تبيينا لحقيقة هذا القوم اللجوج العنود، المتعنّت الغشوم فيحذروهم و يتجانبوا مثل فعالهم و تصرّفاتهم البذيئة: أُولئِكَ الَّذِينَ خسروا في صفقتهم في هذه الحياة، حيث اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي باعوا حظّهم الأوفى في الحياة- و هي الحياة الشريفة ذات العزّ و الوقار الكافلة لسعادة الدارين- تجاه مكسبهم هذا الزهيد الزائل.
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ حيث لا موضع للتخفيف عليهم بذلك الإصرار على العناد وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ حيث لا ناصر لهم و لا شفعاء يشفعون لهم، بعد حيادهم عن سبيل النجاة.
*** و إليك من روايات السلف بشأن الآيات:
[٢/ ٢٥٢٤] أخرج ابن إسحاق و ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي ميثاقكم[٢].
[٢/ ٢٥٢٥] و أخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عمر قال: قال الأعمش: نحن نقرأ لا يعبدون إلا
[١] جاء في ١: ١٥ ع ١٢ من سفر التثنية:« إذا بيع لك أخوك العبراني أو أختك العبرانيّة و خدمك ستّ سنين ففي السنة السابعة تطلقه حرّا من عندك و تزوّده من غنمك و من معصرتك».
[٢] الدرّ ١: ٢٠٩؛ الطبري ١: ٥٤٨/ ١١٩٢؛ ابن أبي حاتم ١: ١٥٩/ ٨٣٣.