التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٨٣ الى ٨٦
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ توثّقتم العهد و الميثاق وَ أَنْتُمْ اليوم تَشْهَدُونَ بذلك، فما هذا التهافت بين القول و السلوك؟!
و هذه العهود و المواثيق هي بعينها هي مواثيق الإسلام الأمر الذي ينبئك عن وحدة دين اللّه القويم، و كان التصديق بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تصديقا بما جاء به النبيّون من قبله. و عليه فالإقرار بشرائع اللّه السابقة، ليستدعي إقرارا بالشريعة الحاضرة. فالإقرار بشريعة التوراة و إنكار الإسلام تهافت فاضح مضافا إلى تهافت ما بين قولهم و السلوك.
و تبيينا لهذا التهافت ما بين القول و السلوك وجّه إليهم التوبيخ الشانئ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يقتل بعضكم بعضا عداء ظاهرا وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تشرّدونهم إلى حيث لا مأوى لهم. و زيادة على ذلك تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ يتظاهر بعضكم مع بعض، ضدّ الفريق المتشرّد بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ أي كان التظاهر منبعثا عن نيّة الخبث و العداء العارم. و ليس عن منبعث حقّ لائح.
و تهافت آخر في السلوك أشنع: إنّهم في العداء مع بعضهم البعض يتظاهرون بالإثم و العدوان.
و لكن عند ما يقع هؤلاء أسارى بيد أجانب غيرهم، تثور غيرتهم ليقوموا باستخلاصهم، حتّى و لو كان ذلك بافتداء المال. تناقض غريب في السلوك!!
وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى أي وجدتموهم أسارى- تفادوهم- بالمال.
كان هذا الحادث الغريب المتهافت واقعا قريب العهد من الإسلام. كان الأوس و الخزرج أشدّ ما يكون حيّان من العرب عداء. و كان اليهود في المدينة ثلاثة أحياء ترتبط بعهود مع هذين الحيّين.
كان بنو قينقاع و بنو النضير حلفاء الخزرج، و كان بنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كلّ فريق إلى جنب حلفائه. فربما قتل يهوديّ يهوديّا، و هذا حرام بنصّ ميثاق التوراة.
كذلك كانوا يشرّدون بيهوديّ كان حلفا لغير حلفهم إذا غلبوهم فيخرجونهم من ديارهم و ينهبون أموالهم و ربما يسبّونهم. و هذا أيضا حرام بنصّ التوراة. ثمّ إذا وضعت الحرب أوزارها جعلوا يفادون أسارى اليهود و يفكّونهم من الأسر هنا أو هناك عندهم أو عند حلفائهم، أو عند أعداء حلفائهم.