التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٤ - سورة البقرة(٢) آية ٧٨
من تلك الأماني الجاهلة التي لا تستقيم مع منطق العدل، و لا تتّفق مع التصوّر الصحيح للعمل و الجزاء. أن يحسبوا أنفسهم منجاة من المؤاخذة و العذاب، لا عن مبرّر معقول، و إنّما هو على حساب الأوهام الفارغة و من غير أساس.
«و قالوا- سفها-: لن تمسّنا النار إلّا أيّاما معدودة أيّاما قلائل و من غير خلود قل: على أيّ أساس تدّعون هذه الدعوى الغريبة! هل اتّخذتم عند اللّه عهدا و متى و أين هذا العهد؟ فلن يخلف اللّه عهده حيث دعواكم الجازمة! أم تقولون على اللّه ما لا تعلمون؟!».
و هذا هو التلقين الإلهي للحجّة الدامغة: أين هذا العهد الّذي جزمتم به و أنّ اللّه لا يخلفه؟! نعم ليس سوى الافتراء عليه سبحانه، و تقولون على اللّه ما لا تعلمون، أي لا علم لكم به و إنّما هي أوهام و ظنون كاذبة. كما هو دأبكم في الكذب و الاختلاق.
*** و هنا يأتي دور بيان الحقّ، الذي هو فصل الخطاب، و هو التصوّر الإسلامى النزيه في باب المثوبات و العقوبات: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى. ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى[١].
نعم بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً و أصرّ عليها و لم يرعو إلى رشده وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ حيث الدءوب عليها و عدم الرجوع فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لأنّهم بذلك الدءوب و الإصرار على الذنب، هم مهّدوا هذا الخلود في مهاوي التيه و الابتعاد عن رضوان اللّه.
وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
هذه هي الصورة الكليّة من التصوّر الإسلامي النبيل، تنبع من فكرته الكلّيّة عن الكون و الحياة و الإنسان .. هذا الموجود الخالد .. إمّا في شقاء دائم، أو سعادة مع الأبد.
*** [٢/ ٢٤٥٢] قال مقاتل بن سليمان: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ يقول: من اليهود من لا يقرأ التوراة إلّا أن يحدّثهم عنها رءوس اليهود[٢].
[١] النجم ٥٣: ٣٩- ٤١.
[٢] تفسير مقاتل ١: ١١٨.