التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
فقال لهم موسى عليه السّلام: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من المستهزئين بالمؤمنين. فلمّا علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من اللّه عزّ و جلّ سألوه الوصف:
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ و لو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم و لكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم و إنّما كان تشديدهم تقديرا من اللّه- عزّ و جلّ- و حكمة. و كان السبب في ذلك على ما:
[٢/ ٢٤١٢] ذكره السدّيّ و غيره: أنّ رجلا في بني إسرائيل كان بارّا بأبيه و بلغ من برّه به أنّ رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا و كان فيها فضل. فقال للبائع: أبي نائم و مفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتّى يستيقظ و أعطيك الثمن. قال: فأيقظ أباك و اعطني المال. قال: ما كنت لأفعل و لكن أزيدك عشرة آلاف فانتظرني حتّى ينتبه أبي.
فقال الرّجل: فأنا أحطّ عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك و عجّلت النقد. قال: و أنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباه أبي. ففعل و لم يوقظ الرجل أباه فأعقبه برّه بأبيه أن جعل تلك البقرة عنده و أمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.
[٢/ ٢٤١٣] و قال ابن عبّاس و وهب و غيرهما: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل و كان له عجل فأتى بالعجل إلى غيضة[١] و قال: اللّهمّ إني استودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر. مات الرّجل فسيّبت العجلة[٢] في الغيضة و صارت عوانا، و كانت تهرب من كلّ من رامها. فلمّا كبر الابن كان بارّا بوالدته و كان يقسّم اللّيلة ثلاثة أثلاث: يصلّي ثلثا و ينام ثلثا و يجلس عند رأس أمّه ثلثا فإذا أصبح انطلق و احتطب على ظهره و يأتي به السّوق فيبيعه بما شاء اللّه، ثمّ يتصدّق بثلثه و يأكل ثلثه و يعطي والدته ثلثا، و قالت له أمّه يوما: إنّ أباك ورّثك عجلة و ذهب بها إلى غيضة كذا و استودعها اللّه- عزّ و جلّ- فانطلق إليها فتدع إله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق بأن يردّها عليك، و إنّ من علامتها أنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها، و كانت تسمّى المذهّبة لحسنها و صفرتها و صفاء لونها. فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى، و قال: أعزم عليك بإله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب، فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه، فقبض على عنقها
[١] الغيضة: مجتمع الشجر في مغيض الماء.
[٢] سيّبت: تركت و أهملت.