التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
و قادها، فتكلّمت البقرة بإذن اللّه و قالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك! فقال الفتى: إنّ أمّي لم تأمرني بذلك و لكن قالت: خذها بعنقها. فقالت البقرة: بإله إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا، فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله و ينطلق معك لفعل، لبرّك بوالدتك.
و سار الفتى فاستقبله عدوّ اللّه إبليس في صورة راع فقال: أيّها الفتى إنّي رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه زادي و متاعي حتّى إذا بلغت شطر الطّريق ذهبت لأقضي حاجتي ذهب الثور صعدا وسط الجبل و ما قدرت عليه و إنّي أخشى على نفسي الهلاك، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك و تنجيني من الموت و أعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك، فلم يفعل الفتى و قال: اذهب فتوكّل على اللّه، فلو علم اللّه منك اليقين لبلغك بلا زاد و لا راحلة، فقال إبليس: فإن شئت فبعنيها بحكمك، و إن شئت فاحملني عليها و أعطيك عشرة مثلها، فقال الفتى: إنّ أمّي لم تأمرني بهذا، فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة و نفرت البقرة هاربة في الفلاة و غاب الرّاعي، فدعاها الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت إليه البقرة فقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته، أ لم تر إلى الطائر الذي طار، إنّه إبليس عدوّ اللّه اختلسني، أما إنّه لو ركبني لما قدرت عليّ أبدا فلمّا دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس و ردّني إليك لبرّك بوالدتك و طاعتك لها.
فجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك و يشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار و القيام باللّيل فانطلق فبع هذه البقرة و خذ ثمنها. قال: بكم أبيعها؟
قالت: بثلاثة دنانير و لا تبعها بغير رضاي و مشورتي و كانت ثمن البقرة في ذلك الوقت، فانطلق بها الفتى إلى السّوق فبعث اللّه ملكا إنسانا خلقه بقدرته ليخبر الفتى كيف برّه بوالدته و كان اللّه به خبيرا فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير و أشترط عليك رضا والدتي. فقال الملك: ستّة دنانير و لا تستأمر أمّك.
فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلّا برضا أمّي، فردّها إلى أمّه و أخبرها بالثّمن فقالت: ارجع فبعها ستّة على رضاي فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق و أتى الملك و قال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى: إنّها أمرتني أن لا أنقصها من ستّة على أن أستأمرها. قال الملك: فإنني أعطيك