التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٢ - ملحوظة
ثمّ إنّ صاحب البيعة دعاه فقال: أتعلم أنّ هذه البيعة لي، و أنا أحقّ الناس بها، و لو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت؟ و لكنّي رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، و أنا أريد أن أتحوّل من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم هاهنا فأقم، و إن شئت أن تنطلق معي فانطلق. قال له سلمان: أيّ البيعتين أفضل أهلا؟ قال: هذه. قال سلمان: فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها و أوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبّد معهم، ثمّ إنّ الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس، فقال لسلمان: إن أردت أن تنطلق معي فانطلق، و إن شئت أن تقيم فأقم.
فقال له سلمان: أيّهما أفضل أنطلق معك أم أقيم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فانطلق معه فمرّوا بمقعد على ظهر الطريق ملقى، فلمّا رآهما نادى: يا سيّد الرهبان ارحمني يرحمك اللّه، فلم يكلّمه و لم ينظر إليه، و انطلقا حتّى أتيا بيت المقدس، فقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم فإنّه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوما حزينا، فقال له الشيخ: ما لك يا سلمان؟ قال: أرى الخير كلّه قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء و أتباعهم، فقال له الشيخ: يا سلمان لا تحزن، فإنّه قد بقي نبيّ ليس من نبيّ بأفضل تبعا منه و هذا زمانه الذي يخرج فيه، و لا أراني أدركه، و أمّا أنت فشابّ لعلّك تدركه، و هو يخرج في أرض العرب، فإن أدركته فآمن به و اتّبعه! فقال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء. قال: نعم، هو مختوم في ظهره بخاتم النبوّة، و هو يأكل الهديّة و لا يأكل الصدقة. ثمّ رجعا حتّى بلغا مكان المقعد، فناداهما فقال: يا سيّد الرهبان ارحمني يرحمك اللّه، فعطف إليه حماره، فأخذ بيده فرفعه، فضرب به الأرض و دعا له، و قال: قم بإذن اللّه، فقام صحيحا يشتدّ[١]، فجعل سلمان يتعجّب و هو ينظر إليه يشتدّ. و سار الراهب فتغيّب عن سلمان، و لا يعلم سلمان. ثمّ إنّ سلمان فزع بطلب الراهب، فلقيه رجلان من العرب من كلب فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نعم راعي الصّرمة[٢] هذا، فحمله فانطلق به إلى المدينة. قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قطّ. فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعي غنمها هو و غلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما و هذا يوما، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج
[١] يشتدّ: يعدو و يسرع.
[٢] الصرمة: القطيع من الإبل و الغنم.