التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٨ الى ٥٩]
وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
هنا وقفة أخرى مع بني إسرائيل من مواضعهم التعنّتيّة و ملؤها الانحراف و العصيان و الجحود، و نكران ما أنعم اللّه عليهم من كبير فضل و عناية.
يمضي السياق في مواجهتهم هذه: وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ
و القرية هذه هي مدينة «حبرون»[١] و كانت عامرة: زاهية بثمارها و لا سيّما العنب و الزيتون.
و بصناعتها و اشتهرت بصناعة الزجاج. و هي من أقدم مدن العالم، سكنها إبراهيم الخليل عليه السّلام و فيها مقبرته و مقبرة ذويه و عرفت باسم الخليل[٢]، تقع على بعد ٢٠ ميلا من القدس الشريف.
و كانت ذات أسوار و أبواب و حصون منيعة، تحرسها رجال أقوياء، منهم العمالقة أصحاب الأجسام الضخام.
و القرية اسم لمجموعة سكن مبنيّة بعضها إلى جنب البعض، من القري و هو الجمع. و تطلق على صغار المدن و كبارها، كما أريد به هنا. بدليل قوله: وَ ادْخُلُوا الْبابَ أي باب المدينة. و في القرآن إطلاق القرية على مكّة و على مصر و على غيرهما من مدن عامرة و آهلة.
[١] حسبما استظهره ابن عاشور في التحرير و التنوير ١: ٤٩٦ و ٤٩٧. و سيأتي كلامه.
[٢] جاء في قاموس الكتاب المقدّس ص ٣١٠: تدعى اليوم بحبرون الخليل أو حبرون الزاهرة، على بعد ٢٠ ميلا جنوبي أورشليم. و ١٠٠ ميل من الناصرة.
قلت: و لعلّ التسمية بحبرون- بناء على اشتراك اللغتين العبريّة و العربيّة في أصول الكلمات- جاءت من قبل المعنى، حيث يقال: أحبرت الأرض، كثر نباتها. و حبره: زيّنه. وشّاه.
قال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ( الزخرف ٤٣: ٧٠) أي يفرحون يظهر عليهم حبار نعيمهم أي أثره المبتهج.