إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٩٠ - قال المصنف رفع الله درجته
و بالجملة تفويض أمر نصب السلطان إلى آراء الناس يؤدى الى محق الدين و تضييع الشريعة، و هو مناف لغرض التشريع لمكان الشهوات و الأهواء كما مر.
فان قلت المحذور انما يلزم إذا كان تفويض أمر نصب الامام الى آراء الناس كيفما أرادوا من غير اشتراط العدالة في الزعيم، و أما لو اعتبر في المنصوب للزعامة وصف العدالة لم يصدر منه ما ينا في مصلحة الشرع، بل يكون مقبلا على ترويج الدين و تسهيل مقدمات نشر الشريعة و يهدى الناس إلى باب حجة اللّه، فيكون أمر الدين متقسما بينهما يكون أمر تعليم الشريعة و بيان حقائقها إلى حجة اللّه القائم بأمره و المنصوب من قبله؛ و يكون ترويج الدين و منع المدلسين و دفع من تعرض لتحريف الشريعة و دس الاحكام بيد السلطان العادل المنصوب من قبل الناس. قلت هيهات ثم هيهات فكم من شواهد لم تكن صادقة و أمارات قد تخلفت كيف لا و لا يعلم السرائر و الضمائر الا علام الغيوب الواقف عليها، سلمنا أن من نصبوه اماما و قائدا و جعلوا بيده أمر دينهم و دنيا هم كان عادلا صائنا لنفسه عن الكبائر، فمن أين الوثوق و الاطمينان ببقائه على تلك الحالة، فكيف يجعل زمام رياسة الدين بيد من لا يعرف أحد كيف يكون منقلب أحواله بعد تقمص الخلافة و تقلد الزعامة، فربما ينخلع بعد ركوبه لمسند الخلافة و قبضة القدرة عن العدالة و تنقلب حاله إلى ضدها و هتك جلباب التقى، و لا يؤمن معه على دماء المسلمين و اعراضهم و أموالهم من تعديه و تعدى عماله و يقع الدين في معرض الزوال و الاضمحلال، و يحولون عن وصول الناس إلى حجة اللّه و من أودع عنده ودائع الدين حذرا عن تمايل الناس الى طاعته، و يمنعونه عن اظهار ما عنده من العلم حذرا عن الفضيحة و انكشاف قبايح أعمالهم و لا تقدر الرعية على دفعه بعد تحكيمه لمبانى سلطنته و تشديد سلطته و قدرته، بل تتبعه في الاشتغال بالفسوق و المعاصي فان
الناس على دين ملوكهم
، و من راجع إلى تاريخ الخلفاء يعلم ما ذكرنا بالعين و الشهود سيما ماجريات نوادى يزيد و الوليد و مروان و المتوكل، و مما يترتب على احالة أمر السلطنة و الخلافة إلى اختيار الناس أن السلطان المنصوب بآرائهم ربما لا يرد أمر زعامة الناس و سلطنتهم بعده إليهم ليختاروا لها من شاءوا بل يستقل في تعيين من أراده للسلطنة و الزعامة كما وقع ذلك من اكثر الخلفاء