إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٤ - أقول القاضى نور الله
إلى التكميل على الفاضل الكامل عقلا و نقلا كما تقدّم في النبوّة، و منشأ شبهتهم في هذا التجويز أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قدّم عمرو بن العاص على أبي بكر و عمر، و كذا قدّم أسامة بن زيد عليهما مع أنّهما أفضل من كلّ منهما، و الجواب بعد تسليم أفضليتهما و الإغماض عن أنّ هذه الأفضليّة إنّما توهّم لهما بعد غصبهما الخلافة انهما إنّما قدّما عليهما في أمر الحرب فقط، و قد كانا أعلم منهما فيه قطعا، كما دلّ عليه الأخبار و الآثار، هذا إن جعلنا التقديم و التأخير منوطا باختيار اللّه تعالى و إن جعلناه منوطا باختيار الامّة كما هو مذهب جمهور النّاصبة فهو أيضا غير مقبول لأنّه يقبح في العقول أيضا أن يجعل المفضول المبتدي في الفقه مقدّما على ابن عباس و ذلك بين عند كلّ عاقل و المخالف فيه مكابر، و من العجائب أنّ عبد الحميد بن أبي الحديد نسب هذا التقديم الذي ذهب إليه إلى اللّه عزّ و جلّ فقال في خطبة شرحه لنهج البلاغة [١]: و قدّم المفضول على الفاضل لمصلحة اقتضاها التكليف، و هذا القول في غاية ما يكون من السخف، لأنّه نسب ما هو قبيح عقلا إلى اللّه عزّ و جلّ مع أنّه عدليّ المذهب و قد خالف مذهبه، و لهذا حمل الشكايات الواردة من عليّ عليه السّلام عن الصّحابة و التّظلم منهم في الخطبة الموسومة بالشقشقيّة [٢] على ذلك، و لا يخفى أنّ الحمل على ذلك ممّا لا وجه له سوى التحامل على عليّ عليه السّلام، لأنّ هذا التّقديم إن كان من اللّه تعالى لم يصح من علي عليه السّلام الشكاية مطلقا، لأنّها حينئذ تكون ردّا على اللّه و الرّد عليه على حدّ الكفر، و إن كان من الخلق فان كان هذا التقديم لمصلحة المكلّفين علم بها جميع الخلق غير عليّ عليه السّلام، فقد نسبه عليه السّلام إلى الجهل بما عرفه عامة الخلق، و إن كان لا لمصلحة كان تقديما بمجرّد التشهّي فلم تكن
[١] فراجع (ص ١ ج ١ شرح النهج ط مصر).
[٢] وجه تسميتها بذلك أنه عليه السّلام لما أنشأ هذه الخطبة تنفس الصعداء و
قال عليه السّلام شقشقة هدرت ثم قرت.