إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٩٥ - أقول القاضى نور الله
هذا قبيح منهيّ عنه خلقه اللّه تعالى في مدّعي النّبوة، و أجرى كسب العبد على وفقه حتّى لا نقبله أو حسن مرضى له تعالى حتّى نتبعه، و الاعتراف بكونهلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ و الضّلال إنّما يفيد لو كان هناك ما يتميّز به عند العقل الكفر و الضّلال عن غيره، و اما إذا كانت الأفعال سواسية [١] في عدم اتّصافها بالحسن و القبح الذاتي و الوصفي و الاعتباري كما ذهب إليه الأشعري فكيف يهتدي المكلف إلى أنّ ذلك المخلوق فيه حسن مرضي للّه تعالى أو قبيح ليس بمرضي له، و أما ما ذكره من التّرديد في الجواز بقوله: أ تريدون الإمكان العقلي إلخ، ففيه من التّمحل [٢] و التمويه ما لا يخفى، لأنّه جعل الإمكان العقلي مقابلا للتجويز العقلي بحسب العادة، مع أنّ المتقابلين في هذا المقام هما الإمكان العقلي و الإمكان العادي، وليت شعري ما معنى تجويز العقل بحسب العادة؟! و بالجملة انّا نختار الشّق الأوّل و نقول: المراد الإمكان العقلي بمعنى تجويز العقل وقوع الكذب، فيصير حاصل دليل المصنّف أنّه على تقدير نفى القبح العقلي لا يمتنع الكذب عليه تعالى امتناعا عقليّا، بمعنى أن يجزم العقل بسلب صدوره عنه تعالى، إذ لا دليل على هذا الجزم إلّا أنّه يقبح عقلا صدور القبح عنه، و إذا لم يجزم العقل بسلب صدور القبيح عنه تعالى فيجوز إظهار المعجزة على يد الكاذب و إذا جوّز العقل ذلك انسدّ باب إثبات النّبوّة، فلا يثبت نبوّة نبي كما ذكره المصنّف «قده» و الحاصل أنّهم إذا اعترفوا بجواز إظهار المعجزة على يد الكاذب و تصديقه تعالى إيّاه فمجرد الدّعوى في الجزم بعدمه غير كاف، ضرورة أنّه ليس ببديهي، بل لا بدّ من إثباته حتى يثبت
[١] السواء: العدل و الوسط و المستوي، و الجمع أسواء و سواسى و سواسية و سواسوة على غير القياس، و لا يخفى أنها من المجموع المولدة لا الاصلية المعهودة من عصر الجاهلية التي يستشهد بها في كلام العرب العرباء.
[٢] تمحل الشيء: احتال في طلبه.