منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣١٣ - الفصل الثّالث في صفة شعره
و قد اختلف في قصّ الشارب و حلقه أيّهما أفضل!؟
فقال القاضي عياض: ذهب كثير من السلف إلى استيعاب الشارب، و حلقه لظاهر قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «أحفوا و أنهكوا» و هو قول الكوفيين.
و ذهب كثير منهم إلى منع الحلق، و منهم الإمام مالك، قال: و يحفي الشارب و يعفي اللحى، و ليس إحفاء الشارب حلقه؛ أي: بل أخذ ما طال عن الشفة بقصّ و نحوه، بحيث لا يؤذي الآكل، و لا يجتمع فيه الوسخ. قال القرطبي: و أرى تأديب من حلق شاربه؛ لما فيه من التشبّه بالمجوس. و عن أشهب؛ عن مالك:
أنّ حلقه بدعة لذلك. قال: و أرى أن يوجع ضربا من فعله.
و قال النووي: المختار في قصّ الشارب أنّه يقصّه حتى يبدو طرف الشفة، و لا يحفّه من أصله. و قال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا، و كان المزنيّ و الربيع يحفيان شاربهما، قال: و ما أظنّهم أخذوا ذلك إلّا عنه.
و أما أبو حنيفة و أصحابه! فمذهبهم في شعر الرأس و الشارب: أنّ الإحفاء- الذي هو الإزالة بالكلية- أفضل من التقصير.
و أما أحمد!! فقال الأثرم: رأيته يحفي شاربه شديدا، و نصّ على أنّه أولى من القصّ.
قال في «فتح الباري»: و ذهب ابن جرير إلى التخيير، فإنّه لمّا حكى قول مالك و قول الكوفيين؛ و نقل عن أهل اللغة أنّ الإحفاء هو الاستئصال؛ قال: دلّت السنة على الأمرين، و لا تعارض، فالقصّ يدلّ على أخذ البعض، و الإحفاء يدلّ على أخذ الكلّ، فكلاهما ثابت؛ فيخير فيما شاء.
قال الحافظ ابن حجر: فيؤخذ من قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث.
فأما الاقتصار على القصّ! ففي حديث المغيرة: ضفت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و كان شاربي وفير فقصّه على سواك. رواه أبو داود و البيهقي بلفظ: فوضع السّواك تحت الشارب