منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٠٩ - الفصل الثّالث في صفة شعره
و كان المشركون يفرقون رءوسهم، و كان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، و كان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، (و كان المشركون)؛ أي: كفّار مكّة (يفرقون)- بضم الراء و كسرها، روي مخفّفا و هو الأشهر، و مشددا من باب التفعيل- (رءوسهم)؛ أي: شعر رءوسهم، و الفرق- بفتح فسكون-: قسم الشعر نصفين؛ و إرسال نصف من جانب اليمين على الصدر، و إرسال نصف من جانب اليسار على الصدر، و هو ضدّ السّدل الذي هو: مطلق الإرسال من سائر الجوانب.
(و كان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم)؛ أي: شعرها؛ و في رواية:
أشعارهم، (و كان يحبّ موافقة أهل الكتاب) اليهود حين كان عبدة الأوثان كثيرين، (فيما لم يؤمر فيه بشيء)؛ أي: فيما لم يؤمر فيه وحي، أو فيما لم يطلب منه على جهة الوجوب، أو الندب، أو فيما لم يؤمر فيه بالمخالفة لهم، يعني فيما لم يخالف شرعه؛ إيجابا أو ندبا، فقصر الأمر هنا على حقيقته؛ و هو الوجوب تقصير، و إنما أحبّ موافقتهم! لتمسّكهم في زمانه ببقايا شرائع الرسل، و المشركون وثنيون؛ لا مستند لهم إلّا ما وجدوا عليه آباءهم.
قال الحافظ ابن حجر: فكانت موافقتهم أحبّ إليه من موافقة عبّاد الأوثان، فلما أسلم غالبهم أحبّ حينئذ مخالفة أهل الكتاب. انتهى.
و قال النووي و غيره: أو كان لاستئلافهم كما تألّفهم باستقبال قبلتهم، و توقّف فيه بأن المشركين أولى بالتأليف، و ردّ بأنه قد حرص أوّلا على تألّفهم؛ و لم يأل جهدا في ذلك، و كلما زاد زادوا نفورا، فأحبّ تأليف أهل الكتاب ليجعلهم عونا على قتال الآبين من عبدة الأوثان.
و قال القرطبي: حبّه لموافقتهم كان أوّلا في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم؛ ليتألّفهم حتى يصغوا إلى ما جاء به، فلما لم ينفع فيهم ذلك و غلبت عليهم الشّقوة أمر بمخالفتهم في أمور كثيرة، لقوله: «إنّ اليهود و النّصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم». انتهى «زرقاني».