منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٩١ - الفصل الثّاني في صفة بصره
و عند مسلم؛ من رواية أنس بن مالك أنه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ قال: «أيّها النّاس؛ إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالرّكوع و لا بالسّجود، فإنّي أراكم من أمامي و من خلفي».
و في البخاريّ؛ عن أنس: صلّى بنا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلاة ثمّ رقى المنبر؛ فقال في الصلاة و في الركوع: «إنّي لأراكم من ورائي كما أراكم من أمامي».
و في مسلم: «إنّي لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يديّ».
و في أخرى لمسلم: «إنّي لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يديّ».
و في بعض الروايات لعبد الرزاق، و الحاكم: «إنّي لأنظر من ورائي كما أنظر من بين يديّ»، و رواه أيضا مالك و أحمد و غيرهما و في لفظه اختلاف. انتهى كلامهما.
قال في «المواهب»: و هذه الرؤية المذكورة في حديث ابن عبّاس و عائشة و أبي هريرة و أنس و مجاهد رؤية إدراك، أي: إبصار حقيقيّ خاصّ به (صلّى اللّه عليه و سلم) انخرقت له فيه العادة، و لذا أخرجه البخاري في «علامات النبوّة».
و الرؤية من حيث هي؛ لا بقيد وصف المصطفى بها؛ لا تتوقّف على وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحقّ، و لا تتوقّف على وجود شعاع؛ و لا على مقابلة، و هذا بالنسبة إلى القديم العالي.
أما المخلوق! فتتوقّف صفة الرؤية في حقّه على الحاسّة و الشعاع و المقابلة بالاتفاق، و لهذا كان ما ذكر من إبصاره من وراء ظهره خرق عادة في حقّه (عليه الصلاة و السلام)، و خالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
قال الحرالّي- بفتح الحاء المهملة و الراء و شد اللام-: و هذه الآية قد جعلها اللّه تعالى دالّة على ما في حقيقة أمره في الاطلاع الباطن؛ لسعة علمه و معرفته، لمّا عرّفهم بربّه- بأن بلّغهم بأنه إله واحد في ذاته و صفاته، مستحقّ لأن يعبد .. و غير ذلك مما يليق به، و لم يعرّفهم بنفسه، و ما اشتملت عليه ذاته من الكمالات- أطلعه على ما بين يديه مما تقدّم من أمر اللّه، و على ما وراء الوقت مما تأخّر من أمر اللّه؛