منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ١٤٩ - الفصل الثّاني في أسمائه الشّريفة
و نبيّ التّوبة، و أنا المقفّي، و أنا الحاشر، و نبيّ الملاحم».
يرحمهم الرّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء» ... إلى غير ذلك. فكانت الرحمة في هذه الأمّة أكثر من غيرها من الأمم. و بالجملة فقد ظهر على يد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ما لم يظهر على يد غيره.
(و نبيّ التّوبة) أي: الآمر بها بشروطها المقرّرة، أو كثير التوبة إلى اللّه تعالى، كثير الرجوع إليه؛ «إنّي أستغفر اللّه و أتوب إليه في اليوم سبعين مرّة؛ أو مائة مرّة».
(و أنا المقفّي)- بكسر الفاء على أنّه اسم فاعل، أو [المقفّى] بفتحها على أنّه اسم مفعول-. فمعناه على الأوّل: الذي قفّى آثار من سبقه من الأنبياء، و تبع أطوار من تقدّمه من الأصفياء. قال تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [٩٠/ الأنعام] أي: في أصل التوحيد و مكارم الأخلاق؛ و إن كان مخالفا لهم في الفروع اتفاقا. و معناه على الثاني: الذي قفّى به على آثار الأنبياء و ختم به الرسالة، قال تعالى (ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا) [٢٧/ الحديد]. و في ذلك من الفضل له (صلّى اللّه عليه و سلم) أنّه وقف على أحوالهم و شرائعهم؛ فاختار اللّه له من كلّ شيء أحسنه، و كان في قصصهم له و لأمته عبر و فوائد.
(و أنا الحاشر، و نبيّ الملاحم»)- بفتح الميم و كسر الحاء المهملة- جمع الملحمة؛ و هي: الحرب ذات القتل الشديد، و سمّيت بها!! لاشتباك الناس فيها كالسّدى و اللّحمة في الثوب. و قيل: لكثرة لحوم القتل فيها.
و سمّي «نبيّ الملاحم!!» لحرصه على الجهاد و مسارعته إليه، و لم يجاهد نبيّ و أمّته ما جاهد المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم) و أمّته.
أو سمّي «نبيّ الملاحم!!» لأنه سبب لتلاحمهم و اجتماعهم.
قال الخطّابي: فإن قيل: كيف الجمع بين كونه «نبيّ الرحمة» و «نبيّ الملاحم»؛ لا سيما مع قوله تعالى (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) [الأنبياء]؛