رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٨٥ - إحياء الحمار
فلمّا نزلنا واقصة فإذا به يصلّي و دموعه تجري فقلت: هذا صاحبي أمضي أستحلّه.
فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اتل وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [١] و مضى.
فقلت: إنّ هذا لمن الأبدال لقد تكلّم على سرّي مرّتين.
فلمّا نزلنا زبالة إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة في البئر فرمق السماء و قال: أنت ربّي إذا ظمئت إلى الماء و قوتي إذا أردت الطعام، اللّهم سيّدي مالي غيرها فرأيت ماء البئر ارتفع حتّى مدّ يده و أخذ الركوة و ملأها فتوضّأ و صلّى أربع ركعات ثمّ مال إلى كثيب رمل فجعل يطرح من الرمل في الركوة و يشرب فسلّمت عليه و قلت: اطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك فقال: يا شقيق لم تزل نعم اللّه علينا ظاهرة و باطنة فأحسن ظنّك بربّك ثمّ ناولني الركوة فشربت منها فإذا هي سويق و سكّر فما شربت ألذّ منه و أقمت أيّاما لا أشتهي طعاما و لا شرابا ثمّ لم أره حتّى دخلنا مكّة فرأيته إلى جنب قبّة الشراب قائما يصلّي بخشوع و أنين و بكاء فلم يزل كذلك حتّى ذهب الليل.
فلمّا صلّى الغداة و إذا له موال و غواش و هو على خلاف ما رأيته في الطريق و دار به الناس يسلّمون عليه فقلت لرجل: من هذا الفتى؟
قال: هذا موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السّلام) فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلّا لمثل هذا السيّد و نظمه بعضهم في أبيات طويلة اقتصرت على ذكر بعضها فقال شعر:
غسل شقيق البلخي عنه و ما* * * عاين منه و ما الذي كان أبصر
قال: لمّا حججت عاينت شخصا شاحب اللون ناحل الجسم أسمر سائرا وحده و ليس له زاد فما زلت دائما أتفكّر و توهّمت أنّه يسأل الناس و لم أدر أنّه الحجّ الأكبر، ثمّ عاينته و نحن نزول دون قيد على الكثيب الأحمر يضع الرمل في الإناء و يشربه فناديته و عقلي متحيّر اسقني شربة فناولني منه فعاينته سويقا و سكّر فسألت الحجيج من يك هذا؟
قيل: هذا الإمام موسى بن جعفر [٢].
[١]- سورة طه: ٨٢.
[٢]- المناقب: ٢٧٥، و بحار الأنوار: ٤٨/ ٨٠ ح ١٠٢.