رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٠ - دخول الصوفية على أبي عبد اللّه
وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً [١] فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة و مع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّى تتمتّعوا أنتم منها، فقال (عليه السّلام):
دعوا عنكم ما لا ينتفع به أخبروني ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه و محكمه من متشابهه الذي في مثله هلك من هلك من هذه الامّة؟
قالوا: و بعضه، فأمّا كلّه فلا، فقال لهم: فمن هاهنا أتيتم و كذلك أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأمّا ما ذكرتم من اخبار اللّه أمانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحا جائزا و لم يكونوا نهوا عنه و ثوابهم منه على اللّه عزّ و جلّ، و ذلك أنّ اللّه سبحانه أمر بخلاف ما عملوا فصار أمره ناسخا لفعلهم و كان نهي اللّه تبارك و تعالى رحمة للمؤمنين لئلا يضرّوا بأنفسهم و عيالاتهم منهما لضعفة الصغار و الولدان و الشيخ الفاني و العجوز الكبيرة الذين لا يبصرون على الجوع فإن تصدّقت برغيفي و لا رغيف لي غيره ضاعوا و هلكوا جوعا فمن ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، خمس ثمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان و هو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه ثمّ الثانية على نفسه و عياله ثمّ الثالثة على قرابته الفقراء ثمّ الرابعة على جيرانه الفقراء ثمّ الخامسة في سبيل اللّه و هو أخسّها أجر، و قال (صلّى اللّه عليه و آله) للأنصاري حين اعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق و لم يكن يملك غيرهم و له أولاد صغار لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين يترك صبية صغارا يتكفّفون الناس.
ثمّ قال: حدّثني أبي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى ثمّ هنا ما نطق به الكتاب ردّا لقولكم و نهيا عنه مفروضا من العزيز الحكيم قال: وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً أفلا ترون أنّ اللّه تبارك و تعالى قال غير ما أريكم تدعون الناس إليه من الإثرة على أنفسهم و سمّى من فعل ما تدعون إليه مسرفا، و في غير آية من كتاب اللّه يقول (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) فنهاهم عن الإسراف و نهاهم عن التقتير و لكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثمّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له [٢].
[١]- سورة الأنسان: ٨.
[٢]- الكافي: ٥/ ٦٦، و بحار الأنوار: ٤٧/ ٢٣٤.