رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٥٢ - فيه معنى رزق المؤمن من حيث لا يحتسب
يراني اللّه قد أحسنت تقدير المعيشة [١].
أقول: ورد في حديث آخر عن سلمان الفارسي أنّ النفس إذا أحرزت قوت سنتها استقرّت خصوصا في سنة الغلاء و تزايد الأسعار.
و أمّا هو (عليه السّلام).
فلمّا كان مستقرّ النفس على كلّ حال و أراد المساواة مع الناس أمر وكيله معتب بما أمره به تطييبا لقلوب الناس و استجلابا لصبرهم على تحمّل مشاق المعيشة كما كان جدّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) يفعله زمن خلافته، فإنّه ما كان يأكل إلّا سدّ الرمق و يقول: لعلّ باليمامة و نحوها من أطراف البلاد من لا يتمكّن من شبع بطنه، أيبيت عليّ بن أبي طالب شبعانا و في سلطانه من لا يقدر على الشبع، و كان يقول: أفعل هذا حتّى لا يتبيّغ بالفقير فقره، حتّى لا يغلبه الفقر فيخرجه إلى سوء الظنّ باللّه تعالى نظرا إلى قوله (عليه السّلام): كاد الفقر أن يكون كفرا.
و أمّا غيره (عليه السّلام) فإنّ عرف من نفسه الاستقرار و اطمئنان النفس كان الأولى به أن يقتدي بالصادق (عليه السّلام) في مساواة الناس و ان عرف من نفسه الاضطراب و عدم الاستقرار و انّه لا يتوجّه في طاعاته إلى جناب الحقّ سبحانه فإن عمل بما يوجب اطمئنان نفسه فلا بأس عليه.
[عن] معمر بن خلّاد قال: سمعت أبا الحسن (عليه السّلام) يقول: إنّ رجلا أتى جعفرا (عليه السّلام) ناصحا له فقال: يا أبا عبد اللّه كيف صرت اتّخذت الأموال قطعا متفرّقة و لو كانت في موضع واحد كان أيسر لمنفعتها، فقال (عليه السّلام): اتّخذتها متفرّقة فإن أصاب هذا المال شيء سلم هذا و الصرّة تجمع هذا كلّه [٢].
أقول: هذا في معايش الدّنيا و أسباب تحصيلها و ورد هذا مثله في تحصيل المثوبات الاخروية و اجورها و انّه ينبغي أن يكون الإنسان كالعطّار يجمع كلّ طيّب و عطر لاختلاف الدّواع في شراء أنواع الطيب و كذلك التاجر فإنّه ينبغي أن يكون عنده المتاع المختلف إن لم يربح في هذا ربح في ذاك، و حينئذ فإذا أتى بالأعمال المتفرّقة كان إذا لم يقبل منه عمل قبل منه آخر و لو كان قليلا كما ورد أنّ من قبل اللّه منه صلاة ركعتين لم يحاسبه بعد ذلك
[١]- الكافي: ٥/ ١٦٦ ح ٢، و بحار الأنوار: ٤٧/ ٦٠ ح ١١٢.
[٢]- الكافي: ٥/ ٩١ ح ١، و بحار الأنوار: ٤٧/ ٥٨ ح ١٠٩.