تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٣٢ - سورة الأنبياء
إذ جاء بما يسعدهم إن اتّبعوه، و من لم يتّبعه، فقد أتى من عند نفسه حيث ضيّع نصيبه منها [١] . و قيل: إنّ الوجه فى كونه رحمة للكافرين أنّ عقابهم أخّر بسببه، و أمنوا به [٢] عذاب الاستيصال. «إنّما» لقصر الحكم على شىء، كما يقال: إنّما زيد قائم؛ أو لقصر الشّيء على حكم، كقولك: إنّما يقوم زيد، }و قد اجتمع كلاهما فى الآية، لأنّ «إِنَّمََا يُوحىََ إِلَيَّ» مع فاعله، بمنزلة إنّما يقوم زيد؛ و «أَنَّمََا إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ» بمنزلة إنّما زيد قائم؛ و فائدة اجتماعهما الدّلالة [٣] على أنّ الوحى إلى رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-مقصور على أنّ اللّه-عزّ اسمه-استأثر [٤] بالوحدانيّة. و فى قوله: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» أنّ الوحى الوارد على هذه الطّريقة موجب أن تخلصوا [٥] التّوحيد للّه. }و يجوز أن يكون [٦] «مََا» موصولة فيكون معناه: إنّ الّذى «يُوحىََ إِلَيَّ» .
و معنى «آذَنْتُكُمْ» : أعلمتكم، و لكنّه كثر استعماله فى معنى الإنذار، و منه قول [٧] ابن حلّزة:
«آذنتنا ببينها أسماء»
[٨] .
و المعنى: أنّى بعد إعراضكم عن قبول توحيد اللّه-تعالى-و تنزيهه عن الأنداد كرجل بينه و بين أعدائه هدنة، فنبذ إليهم العهد، و آذنهم جميعا بذلك «عَلىََ سَوََاءٍ» أي مستوين فى الإعلام به، لم يطوه عن أحد منهم. و «مََا تُوعَدُونَ» من غلبة المسلمين عليكم، أو القيامة كائن لا محالة، إلاّ أنّ اللّه-تعالى-لم يطلعنى عليه. } «إِنَّهُ» -سبحانه-
[١]أكثر النّسخ-حيث ضيّع نصيبه منها.
[٢]هـ: بسببه.
[٣]ألف: الدّالة.
[٤]استأثر بالشّيء على غيره: خصّ به نفسه و استبدّ به. و الاستئثار: الانفراد بالشّيء (اللّسان-أثر) .
[٥]هـ: يخلّصوا.
[٦]هـ: تكون.
[٧]د: +الحارث.
[٨]عجزه:
«ربّ ثاو يملّ منه الثّواء»
. و البيت لحارث بن حلّزة بن مكروه بن بديد (يزيد) بن عبد اللّه بن مالك بن عبد بن سعد بن جشم بن زبان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل، شاعر مشهور من المقلّين، و هذا البيت أوّل قصيدته المعلّقة. يقال: إنّه ارتجلها بين يدى عمرو بن هند ارتجالا. فى شىء من بكر و تغلب بعد الصّلح (ابن سلاّم، طبقات الشّعراء، ص ٣٥. ابن قتيبة، الشّعر و الشّعراء، ج ١/١٢٧-١٢٨.
شرح القصائد العشر، للخطيب التّبريزيّ، ص ٤٢٩) .