تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٢ - بحر بحر
ثلاثة، و هي: الاتِّساعُ، و التَّوْكِيدُ، و التَّشْبِيهُ، فإِن عُدِمَت الثلاثةُ تَعَيَّنت الحقيقة، فمِن ذلك ١٤- قولُه صلى اللّه عليه و آله و سلّم[في الفرس] [١] «هو بَحْرٌ » . ؛ فالمعانِي الثلاثةُ موجودةٌ فيه، أَمّا الاتِّساعُ فلأَنّه زادَ في أَسماءِ الفَرَسِ التي هي فَرَسٌ و طِرْفٌ و جَوَادٌ، و نحوُها البحْر ، حتى إنه إن احْتِيجَ إِليه في شِعْرٍ أَو سَجْعٍ أَو اتَّساعٍ استُعمِلَ استعمالَ بَقِيَّةِ تلك الأَسماءِ، لكنْ لا يُفْضَى إِلى ذلك إِلا بقَرِينَةٍ تُسقِطُ الشُّبهةَ، و ذلك كأَن يقول الشاعر:
عَلَوْتَ مَطَا جَوادِكَ يَوْمَ يومٍ # و قد ثُمِدَ الجِيَادُ فكان بَحْرَا [٢]
و كأَنْ يقول السّاجِعُ: فَرَسُكَ هََذا إِذا سَمَا بغُرَّتِه كان فَجْراً، و إِذا جَرَى إِلى غايَتِه كان بَحْراً [٣] ، فإِن عَرِىَ عن دليلٍ فلا؛ لئلاَّ يكونَ إِلباساً و إِلْغازاً [٣] ، و أَمّا التشبيهُ فلأَنَّ جَرْيَه يَجْرِي في الكَثْرَةِ مثلَ[مجرى] [١] مائِه، و أَمّا التوكيدُ فلأَنَّه شَبَّه العَرَضَ بالجَوْهَرِ، و هو أَثْبَتُ في النفوس منه. قال شيخُنَا: و هو كلامٌ ظاهرٌ إِلاّ أَن كلامَه في التوكيد و أَنه شَبَّه العَرَضَ بالجوهرِ لا يخلُو عن نَظَرٍ ظاهر، و تناقُضٍ في الكلام غيرُ خَفيّ. و قال الإِمامُ الخطّابيّ: قال نِفْطَوَيْهِ: إِنّمَا شَبَّه الفَرَسَ بالبَحْر ، لأَنه أَراد أَنّ جَرْيَه كجَرْي ماءِ البحر ، أَو لأَنه يَسْبَحُ في جَرْيِه كالبحرِ إِذا ماجَ فَعَلاَ بعضُ مائِه على بعض.
و البَحْرُ : الرِّيفُ [٤] ، و به فَسَّر أَبو عليٍّ قولَه عَزَّ و جلَّ:
ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ [٥] ، لأَنّ البحرَ الذي هو الماءُ لا يظهرُ فيه فسادٌ و لا صَلاحٌ. و قال الأَزهرنُّي: معنى هََذه الآيةِ: أَجْدَبَ البَرُّ، و انقطعتْ مادَّةُ البحرِ ، بذُنُوبِهم كان ذلك، لِيَذُوقُوا الشِّدَّةَ بذُنُوبِهم في العاجِلِ. و قال الزَّجّاج:
معناه ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ و القَحْطُ في مُدُنِ البَحْرِ التي على الأَنهار، و قولُ بعضِ الأَغفال:
و أَدَمَتْ خُبْزِيَ مِن صُيَيْرِ # مِن صِيْرِ مِصْرَيْنِ أَو البُحَيْرِ
قال: يجوزُ أَن يَعْنِيَ بالبُحَيْرِ البَحْرَ الذي هو الرِّيف، فصغَّره للوَزْنِ و إِقامةِ القافِية، و يجوزُ أَن يكونَ قَصَدَ البُحَيْرَةَ فرَخَّمَ اضطراراً.
و البَحْرُ : عُمْقُ الرَّحِمِ و قَعْرُهَا، و منه قيل للدَّم الخالِصِ الحُمْرَةِ: باحِرٌ و بَحْرَانِيٌّ ، و سيأْتي.
و البَحْرُ في كلامِ العرب: الشَّقُ ، و يقال: إِنّمَا سُمِّيَ البَحْرُ بَحْراً لأَنّه شَقَّ في الأَرض شَقّاً، و جَعَلَ ذلك الشَّقَّ لمائِه قَرَاراً، و ١٧- في حديث عبدُ المُطَّلِبِ : «و حَفَرَ زَمْزَمَ ثُمَّ بَحَرَها بَحْراً » . أَي شَقَّها و وسَّعَها حتى لا تُنْزَفَ [٦] .
و منه البَحْرُ : شَقُّ الأُذُنِ. قال ابنُ سِيدَه: بَحَرَ النّاقَةَ و الشّاةَ يَبْحَرُها بَحْراً : شَقَّ أُذُنَهَا بِنِصْفَيْن [٧] ، و قيل بنصفَيْن طُولاً.
و منه البَحِيرَةُ ، كسَفينةٍ، كانوا إِذا نُتِجَتِ النّاقةُ أَو الشّاةُ عَشَرَةَ أَبْطُنٍ بَحَرُوها فلا يُنتفَعُ منها بلَبَنٍ و لا ظَهْرٍ، و تَرَكُوها تَرْعَى و تَرِدُ الماءَ، و حَرَّمُوا لَحْمَهَا إِذا ماتَتْ على نِسائِهم و أَكَلَهَا الرِّجالُ ، فنَهَى اللّه تعالَى عن ذلك، فقال: مََا جَعَلَ اَللََّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لاََ سََائِبَةٍ وَ لاََ وَصِيلَةٍ وَ لاََ حََامٍ [٨] .
أَو البَحِيرَةُ هي التي خُلِّيَتْ بلا راعٍ.
أَو هي التي إِذا نُتِجَتْ خمْسَةَ أَبْطُنٍ، و الخامِسُ ذَكَرٌ نَحَرُوه فأَكَلَه الرِّجالُ و النِّسَاءُ، و إِن كان أَي الخامسُ-و في بعض النُّسَخ: كانت- أُنْثَى بَحَرُوا أُذُنَهَا ، أَي شَقُّوها-و في بعض النُّسَخ: نَحَرُوا، بالنُّون، أَي خَرَقُوا- فكان حَراماً عليهم لَحْمُهَا و لَبَنُهَا و رُكُوبُها، فإِذا ماتَتْ حَلَّتْ للنِّسَاءِ و هََذا الأَخيرُ من الأَقوال حَكَاه الأَزهَريُّ عن ابن عرَفَه أَو هي ابنةُ السّائِبَةِ ، و قد فُسِّرَت السّائبةُ في مَحَلِّهَا، و هََذا قولُ الفَرّاءِ. و قال الجوهَرِيُّ: و حُكْمُهَا حُكْمُ أُمِّها ، أَي حُرِّم منها ما حُرِّم من أُمِّها.
أَو هي -أَي البَحِيرةُ - في الشَّاءِ خاصّةً إِذا نُتِجَتْ خمسةَ
____________
(١) زيادة عن الخصائص.
(٢) ثمد الجياد أي أعيين، من قولهم: ماء مثمود أي كثر عليه الناس حتى فني و نفد إلا أقله (عن هامش الخصائص) .
(٣) العبارة بتمامها في الخصائص: و لو عري الكلام من دليل يوضح الحال لم يقع عليه بحر، لما فيه من التعجرف في المقال من غير إِيضاح و لا بيان. ألا ترى أن لو قال رأيت بحراً و هو يريد الفرس لم يعلم بذلك غرضه، فلم يجز قوله، لإنه إلباس و إلغاز على الناس.
(٤) على هامش القاموس من نسخة أخرى «الشريف» .
(٥) سورة الروم الآية ٤١.
(٦) عن اللسان، و بالأصل «لا ينزف» و في النهاية: «لا تَنزِفُ» .
(٧) بهامش المطبوعة المصرية: «قوله بنصفين كذا بخطه تبعاً للسان» .
(٨) سورة المائدة الآية ١٠٣.