تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥١ - بحر بحر
خلافُ البَرِّ، سُمِّيَ بذََلك لعُمْقِه و اتِّسَاعه، أَو الْمِلْحُ فَقَطْ ، و قد غَلَب عليه حتى قَلَّ في العَذْب، و هو قولٌ مرجُوجٌ أَكْثَرِيٌّ. ج أَبْحُرٌ و بُحُورٌ و بِحَارٌ . و ماءٌ بَحْرٌ : مِلْحٌ، قَلَّ أَو كَثُرَ، قال ابنُ بَرِّيّ، هذا القولُ هو قولُ الأُمَوِيِّ، لأَنّه كان يجعلُ البحرَ من الماء المِلْح فقط، قال: و سُمِّيَ بَحْراً لِمُلُوحَتِه، و أَمّا غيرُه فقال: إِنّمَا سُمِّيَ البحرُ بحراً لسَعَتِه و انبِسَاطِه، و منه قولُهُم: إِنّ فلاناً لَبَحْرٌ ، أَي واسعُ المعروفِ، و قال: فعلَى هََذا يكونُ البحرُ للمِلْح و العَذْبِ، و شاهدُ العَذْب قولُ ابن مُقْبِلٍ:
و نحنُ مَنَعْنَا البَحْرَ أَن يَشْرَبُوا به # و قد كانَ منكُم ماؤُه بمَكانِ
قال شيخُنَا: في قوله: الماءُ الكثيرُ، قيل: المرادُ بالبَحْر الماءُ الكثيرُ، كما للمصنِّف، و قيل: المرادُ الأَرضُ التي فيها الماءُ؛ و يَدُلُّ له قولُ الجوهريِّ: لعُمْقِه و اتِّسَاعِه، و جَزَمَ في النّامُوس بأَنّ كلاَمَ المصنِّفِ على حَذْفِ مُضَافٍ، و أَنّ المُرَادَ مَحَلّ الماءِ، قال: بدليلِ ما سيأْتي مِن أَنّ البَرَّ ضِدُّ البَحْرِ ، و ١٦- لِحَدِيث : «هو الطَّهُورُ ماؤُه» . يَعْنِي و الشيءُ لا يُضَافُ إِلى نفسه، قال شيخُنَا: و وَصْفُه بالعُمْق و الاتِّساع قد يَشْهَدُ لكلِّ من الطَّرفين.
قلت: و قال ابن سِيدَه: و كلُّ نَهْرٍ عظيمٍ بَحْرٌ ، و قال الزَّجّاج: و كلُّ نَهْرٍ لا يَنْقطعُ ماؤُه فهو بَحْرٌ ، قال الأَزهريّ:
كلُّ نهرٍ لا ينقطعُ ماؤُه مثلُ دِجْلَةَ و النِّيلِ، و ما أَشبَههما من الأَنهار العَذْبَةِ الكِبَارِ، فهو بَحْرٌ [١] ، و أَمّا البحرُ الكبيرُ الذي هو مَغِيضُ هََذِه الأَنهارِ فلا يكونُ ماؤُه إِلاّ مِلْحاً أُجاجاً، و لا يكون ماؤُه إِلاّ راكداً، و أَمّا هََذه الأَنهارُ العذبةُ فماؤُهَا جارٍ، و سُمِّيَتْ هََذِه الأَنهارُ بِحَاراً ؛ لأَنها مَشْقُوقَةٌ في الأَرض شَقّاً.
و قال المصنِّف في البَصائر: و أَصْل البَحْرِ مكانٌ واسِعٌ جامعٌ للماءِ الكثيرِ، ثم اعْتُبِرَ تارةً سَعَتُه المَكَانِيَّةُ، فيقال:
بَحَرْتُ كذا: وسَّعْتُه سَعَةَ البَحْرِ ؛ تَشْبِيهاً به، و منه: بَحَرْتُ البَعِيرَ: شَقَقْتُ أُذُنَه شَقّاً واسِعاً، و منه: البَحِيرَةُ ، و سَمَّوْا كلَّ متوسِّعٍ في شيْءٍ بَحْراً ؛ فالرجلُ المتوسِّعُ في عِلْمه بَحْرٌ ، و الفَرَسُ المتوسِّعُ في جَرْيه بَحْرٌ . و اعتُبر من البحر تارةً مُلوحتُه فقيل: ماءٌ بَحْرٌ ، أَي مِلْحٌ، و قد بَحرَ المَاءُ.
و التَّصْغِيرُ أُبَيْحِرٌ لا بُحَيْرٌ ، قال شيخُنا: هو من شواذّ التَّصْغِيرِ كما نَبَّه عليه النُّحاةُ، و إن لم يَتَعَرَّض له الجوهريُّ و غيره، و أَما قولُه: لا بُحَيْر ، أَي على القياسِ. فغيرُ صحيح، بل يقال على الأَصلِ و إِنْ كان قليلاً، و سوَاه نادِرٌ قياساً و استعمالاً، انتهى. قلتُ: و ظاهرُ سِيَاقِه يَقْتَضِي أَنّ أُبَيْحِر [٢] تصغيرُ بَحْرٍ ، و منع بُحَيْر ، أَي كَزُبَيْر، كما فَهِمَه شيخُنَا من ظاهر سياقِه كما تَرَى، و ليس كذََلك، و إِنّمَا يَعْنِي تصغيرَ بحارٍ و بُحُورٍ ، و الممنوعُ هو بُحَيِّر بالتَّشْدِيد، و أَصلُ السِّيَاق لابن السِّكِّيت. قال في كتاب التَّصغير له: تصغيرُ بُحُورٍ و بِحَارٍ أُبَيْحِرٌ، و لا يجوزُ أَن تُصَغِّر بحاراً على لفظِهَا فتقول: بُحَيِّرُ . لأَن ذلك يضارعُ الواحِدُ، فلا يكونُ بين تصغيرِ الواحدِ و تصغيرِ الجَمْعِ إِلاّ التَّشْدِيدُ، و العَربُ تُنْزِلُ المُشَدَّدَ منزلةَ المُخَفَّفِ. انتهى. فَتَأَمَّلْ ذََلك.
و من المجاز: البَحْرُ : الرَّجُلُ الكَرِيمُ الكثيرُ المعروفِ؛ سُمِّيَ لِسَعَةِ كَرَمِه.
و ١٧- في الحديث : «أَبَى ذََلك البَحْرُ ابنُ عَبّاسٍ» . سُمِّي [ بحراً ] [٣] لسَعَةِ عِلْمِه و كَثْرَتِه.
و من المجاز: البَحْرُ : الفَرَسُ الجَوَادُ الواسعُ الجَرْي، و منه ١٤- قولُ النبيِّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في مَنْدُوبٍ فَرَسِ أَبِي طلحةَ و قد رَكِبَه عُرْياً: «إِنِّي وَجَدْتُه بَحْراً » . ؛ أَي واسع الجَرْي.
قال أَبو عُبَيْد [٤] : يقال للفَرَسِ الجَوَادِ: إِنّ لَبَحْرٌ لا يُنْكَشُ حُضْرُه.
قال الأَصمعيُّ: يقال: فَرَسٌ بَحْرٌ وَفْيَضٌ وَ سَكْبٌ و حَتٌّ، إِذا كان جَوَاداً، كَثِيرَ العَدْوِ.
و قال ابنُ جِنِّي في الخَصَائص [٥] : الحقيقةُ: ما أُقِرّ في الاستعمال على أَصْل وَضْعِه في اللغة. و المجاز: ما كان بِضِدِّ ذلك، و إِنما يقعُ المجازُ و يُعدَلُ إِليه عن الحقيقة لمعانٍ
[١] الأصل و اللسان، و في التهذيب: فهي بحار.
[٢] كذا بالأصل، و المناسب: «أُبيحراً» .
[٣] زيادة عن النهاية.
[٤] التهذيب: «أبو عبيدة» و ضبطت فيه حُضُره» بضمتين، و قد تم ضبطها هنا عن اللسان.
[٥] الخصائص ج ٢/٤٤٢ باب في فرق بين الحقيقة و المجاز.