تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٩٧ - حفر حفر
و من المَجازِ قَوْلُ العَرَب: أَتَيْتُ فلاناً ثُمَ رَجَعْتُ عَلَى حَافِرَتِي ، أَي طَرِيقِي الَّذِي أَصْعَدْتُ فِيهِ خاصّةً، فإِنْ رَجَع على غيْرِه لم يَقل ذلك. و في التهذِيب: أَي رَجَعْت من حَيْثُ جِئْت: و رَجَعَ على حافِرَتهِ ، أَي طَرِيقهِ الّذِي جاءَ مِنه.
و من المَجاز: اَلْحَافِرَةُ : الخِلْقَةُ الأُولَى، و العَوْدُ [١] في الشَّيْءِ حتى يُرَدَّ آخِرُهُ عَلَى أَوَّلِه. و في الكِتاب العَزِيز: أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ [٢] ، أَي في أَوَّلِ أَمْرِنا. و أَنْشَد ابنُ الأَعْرَابِيّ:
أَ حافِرَةً على صَلَعٍ و شَيْبٍ # مَعَاذَ اللََّه من سَفَهٍ و عَارِ
يقول: أَ أَرجِعُ إِلى ما كُنْتُ عليه في شَبابِي و أَمْرِي الأَوّلِ من الغَزل و الصِّبَا بعد ما شِبْتُ و صَلِعْتُ.
و ١٦- في الحديث «إِنَّ هََذَا الأَمْرَ لا يُتْرك على حَالِه حتّى يُرَدّ على حافِرَتهِ » . أَي على أَوَّلِ تأْسِيسه. و قال الفَرَّاءُ في تَفْسِير قَولِهِ تَعَالَى أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ أَي إِلى أَمرِنا الأَوّل، أَي الحَيَاةِ. و قال ابنُ الأَعرابِيّ: في الحافِرَة ، أَي في الدُّنْيَا كما كُنَّا، و قيل: أَي في الخَلْق الأَوَّل بعدَ ما نَمُوت.
و قالوا في المثل: « النَّقْدُ عِنْدَ الحَافِرَةِ ، و الحَافِر » أَي عِنْدَ أَوَّل كَلِمَةٍ و في التَّهْذِيب: معناه: إِذا قَالَ قد بِعتُك رَجَعْتَ عليه بالثمن، و هما في المعنَى واحدٌ. و أَصْلُه أَي المَثَلِ أَنَّ الخَيلَ أَكرَمُ ما كَانَتْ عِنْدَهُم و أَنْفَسُه، و كَانُوا لنفاسَتِها عِنْدَهم و نَفاسِهم بها لا يَبِيعُونَها نَسِيئَةَ ، فكان يَقولُه الرَّجُلُ للرَّجُلِ : «النَّقْدُ عند الحافر » أَي عِنْد بَيْع ذاتِ الحَافِر ، أَي لا يَزُولُ حَافِرُه حَتَّى يَأْخُذَ ثَمَنَهُ. و صَيَّروه مَثَلاً.
و مَنْ قال: «عند الحافِرَة » فإِنَّه لَمَّا جَعَل الحافِرَ في مَعْنَى الدّابّة نَفْسِها، و كَثُر اسْتِعْمَالُه من غير ذِكْرِ الذّات أُلحِقَت به عَلاَمَةُ التَّأْنِيث إِشعاراً بتَسْمِية الذَّاتِ بها. أَو كَانُوا يَقُولُونَها و يَتَكلَّمُون بها عِنْدَ السَّبْق و الرِّهَانِ. رَوَاهُ الأَزهريّ عن أَبِي العَبّاس. و قال: أَيْ أَوّل ما يقَعُ حَافِرُ الفَرَسِ عَلَى الحَافِرِ ، أَي المَحْفُورِ ، [٣] كما يُقَالُ: ماءٌ دافِقٌ [٤] ، يُرِيدُ: مَدْفُوقٌ.
و في نَصِّ أَبي العَبّاس: أَو الحافِرَةُ : الأَرْضُ المَحْفُورَة .
يقال: أَوَّل مَا يَقَع حافِرُ الفَرَس على الحافرة فَقَدْ وَجَبَ النَّقْدُ. يَعنِي في الرِّهَانِ، أَي كما يَسْبِق فيَقَع حافِرُه ، يقول:
هاتِ النَّقْدَ. و قال الليثُ: النَّقْدُ عند الحافر معناه إِذا اشتريْتَه لم تَبْرَحْ [٥] حتّى تَنْقُدَ. هََذا أَصْلُه، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى استُعْمِل في كُلِّ أَوّلِيَّة فقيل: رَجَعَ إِلَى حافِره ، و حافِرَتِه ، و فعَل كذا عند الحافِرةِ و الحافِرِ ، و منه ١٤- حديث أُبَيّ قال : «سأَلْتُ النّبيَّ صَلَّى اللّه عليه و سلَّم عن التَّوْبَة النَّصُوحِ قال: هو النَّدَم على الذّنْب حين يَفْرُط منك و تَسْتَغْفِر اللّه بنَدَامتك [٦] عندَ الحافِرِ لا تَعُود إِليه إِبداً» . و المعنَى تَنْجِيز النّدامَةِ و الاسْتِغْفَارِ عِنْد مُوَاقَعَةِ الذَّنْب من غَير تَأْخِيرٍ، لأَنَّ التَّأْخِيرَ مِن الإِصْرارِ.
و من المَجاز: هََذا غَيْثٌ لا يَحْفِرُه أَحَدٌ، أَي لا يَعْلَمُ أَحَدٌ أَيْنَ أَقْصاه.
و الحِفْرَاةُ ، بالكَسْرِ: نَبَاتٌ في الرَّمْلِ لا يزالُ أَخضَرَ، و هو من نَبَاتِ الرَّبِيع. قال أَبُو النَّجْم في وَصْفها:
يَظَلُّ حِفْرَاه من التَّهَدُّلِ # في رَوْضِ ذَفْرَاءَ و رُعْلٍ مُخْجِلِ
ج حِفْرَى ، كشِعْرَى.
و قال أَبو حنيفَة: الحِفْرَى : ذاتُ وَرَقٍ و شَوْكٍ صِغارٍ، لا تَكُون إِلاَّ في الأَرضِ الغَلِيظة، و لها زَهْرةٌ بَيْضَاءُ، و هي تَكُون مِثْلَ جُثَّةِ الحَمَامَةِ.
قلت: و أَنشدَ أَبو عَلِيٍّ القَاليّ في المَقْصُورِ لكُثَيّر:
و حَلَّت سُجَيْفَةُ [٧] من أَرْضِها # رَوَابِيَ يُنْبِتْنَ حِفْرَى دِمَاثَا
و الحِفْرَاة عِنْدَ أَهْلِ اليمن: خَشَبَةٌ ذاتُ أَصَابعَ يُذَرَّى بها الكُدْسُ المَدُوسُ و يُنَقَّى بِهَا البُرُّ مِنَ التِّبْنِ.
[١] في اللسان: العودةُ.
[٢] سورة النازعات الآية ١٠.
[٣] التهذيب و اللسان: المحفورة.
[٤] اشارة إلى قوله تعالى: خلق من ماء دافق.
[٥] الأصل و التهذيب، و في اللسان: لن تبرح.
[٦] الباء في بندامتك، بمعنى مع أو للاستعانة، أي تطلب مغفرة اللّه بأن تندم. و الواو في و تستغفر للحال أو للعطف على معنى الندم. (عن اللسان) .
[٧] عن الديوان و بالأصل «سخيفة» .