تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٥٩ - جبر جبر
اللازمِ، و الجَبْرُ مصدرُ المتعدِّي، و هو الذي يَعْضُده القِياسُ. قلتُ: و مثلُه قولُ اللِّحْيَانيِّ في النَّوادر: جَبَرَ اللّه الدِّينَ جَبْراً ، فجَبَرَ جُبُوراً ، و لََكنه تَبعَ ابنَ سِيدَه فيما أَوردَه من نَصِّ عبارتِه على عادَتِه، و قد سُمِعَ الجُبُورُ أَيضاً في المتعدِّي، كما سُمِعَ الجَبْرُ في اللاَّزم، ثمّ قال شيخُنَا:
و ظاهرُ قولِه: جَبَرْتُ العَظْمَ و الفَقِيرَ، إِلخ، أَنه حقيقةٌ فيهما، و الصَّوابُ أَن الثانيَ مَجازٌ.
قال صاحبُ الواعِي: جَبَرْتُ الفقيرَ: أَغْنَيْتُه، مثْل جَبَرتُه من الكَسْر، و قال ابنُ دُرُسْتَوَيْهِ في شرح الفَصِيح: و أَصلُ ذََلك، أَي جَبْرِ الفقيرِ، مِن جَبْرِ العَظْمِ المُنْكسِر، و هوَ إِصلاحُه و عِلاجُه حتى يَبْرَأَ، و هو عامٌّ في كلّ شيْءٍ؛ على التشْبِيهِ و الاستعارةِ، فلذََلك قِيل: جَبَرْتُ الفقيرَ، إِذا أَغْنَيْتَه؛ لأَنه شَبَّه فَقْرَه بانكسارِ عَظْمِه، و غِنَاه بجَبْره، و لذََلك قيل له:
فَقِيرٌ؛ كأَنه قد فُقِرَ ظَهْرُه، أَي كُسِرَ فَقارُه.
قلْت: و عبارةُ الأَساس صريحةٌ في أَن يكونَ الجَبْرُ بمعنَى الغِنَى حقيقةً لا مَجازاً، فإِنه قال في أَوَّل الترجمةِ: [١]
الجَبْرُ أَن يُغْنِيَ الرجلَ مِن فَقْرٍ، أَو يُصْلِحَ العَظْمَ من كَسْرٍ، [١]
ثم قال في المَجَاز في آخر الترجمة: و جَبَرتُ فلاناً فانْجَبَرَ [٢] : نَعَشْتُه فانْتَعَشَ. و سيأتي.
و قال اللَّبْلِيُّ في شرح الفَصِيح: جَبَرَ من الأَفعال التي سَوَّوْا فيها بين اللاَّزمِ و المتعدِّي، فجاءَ فيه بلفظٍ واحد، يقال: جَبَرتُ الشيءَ جَبْراً ، و جَبَرَ هو بنفسِه جُبُوراً ، و مثلُه صَدَّ عنه صُدُوداً، و صَدَدْتُه أَنا صَدًّا.
و قال ابن الأَنباريِّ: يقال جَبَّرتُ اليَدَ تَجْبِيراً .
و قال أَبو عُبَيْدَةَ في «فعل و أَفعل» : لم أَسمع أَحداً يقول: أَجبرتُ عَظْمَه. و حكى ابنُ طَلْحَةَ أَنه يقال: أَجبرْتُ العَظْمَ و الفَقِيرَ، بالأَلف. و قال أَبو عليّ في «فعلت و أَفعلت» : يقال: جَبَرتُ العَظْمَ و أَجْبَرتُه . و قال شيخُنَا:
حكايةُ ابنِ طَلْحَةَ في غاية الغَرَابةِ خَلَتْ عنها الدَّواوِينُ المشهورة.
و اجْتَبَرَه فتَجَبَّرَ ، و في المُحْكَم: جَبَرَ الرَّجلَ: أَحْسَنَ إِليه، أَو كما قال الفارسيّ: جَبَرَه . أَغْنَاه بعدَ فَقْرٍ ، قال:
و هََذه أَلْيقُ العِبَارتَيْن، فاستَجْبَر و اجتَبَرَ . و قال أَبو الهَيْثم: جَبَرتُ فاقَةَ الرجلِ، إِذا أَغنيتَه.
و في التَّهْذِيب: و اجْتَبَرَ العَظْمُ مثل انْجَبَرَ ، يقال: جَبَرَ اللّه فلاناً فاجْتَبَرَ ، أَي سَدَّ مَفاقِرَه، قال عَمْرُو بن كُلْثُومٍ:
مَن عالَ مِنّا بعدَهَا فلا اجْتَبَرْ # و لا سَقَى الماءَ و لا راءَ الشجَرْ
معنى عالَ: جارَ و مالَ.
و جَبَرَه على الأَمْر يَجْبُرُهُ جَبْراً و جُبُوراً : أَكْرَهَهُ كأَجْبَرَه ، فهو مُجْبَر ، الأَخيرَةُ، أَعْلَى، و عليها اقتَصَر الجوهَرِيُّ كصاحب الفَصِيح، و حكاهما أَبو عليٍّ في «فعلت و أَفعلت» ، و كذََلك ابن دُرُسْتَوَيْهِ و الخَطّابيُّ و صاحبُ الواعِي. و قال اللِّحْيَانِيّ:
جَبَرَه لغةُ تَمِيم وَحْدَهَا، قال: و عامَّةُ العربِ يقولون: أَجْبَرَه .
و قال الأَزهريُّ: و جَبَرَه لغةٌ معروفةٌ [٣] ، و كان الشافعيُّ يقول:
جَبَرَ [٤] السُّلْطَانُ، و هو حِجَازيٌّ فَصِيحٌ؛ فهما لُغَتَانِ جَيِّدَتانِ:
جَبَرْتُه و أَجْبَرْتُهُ غير أَن النَّحْوِيِّين استَحبُّوا أَن يَجْعَلُوا جَبَرْتُ لِجَبْرِ العَظْمِ بعد كَسْرِه، و جَبْرِ الفَقِيرِ بعد فاقَتِه، و أَنْ يكون الإِجبارُ مقصوراً على الإِكراه؛ و لذََلك جَعَلَ الفَرّاءُ الجَبّارَ من أَجبرتُ لا مِن جَبَرتُ ، كما سيأْتي.
و في البَصَائِر: و الإِجْبَارُ في الأَصل: حَمْلُ الغيرِ على أَن يَجْبُرَ الأَمْرَ، لكن تُعُورِفَ في الإِكراه المجرَّد، فقوله:
أَجْبَرْتُه على كذا، كقولك: أَكْرَهْتُه.
و تَجَبَّرَ الرجلُ، إِذا تَكَبَّرَ.
و تَجَبَّرَ النَّبْتُ و الشَّجَرُ: اخْضَرَّ و أَوْرَقَ ، و ظَهَرَتْ فيه المَشْرَةُ و هو يابِسٌ، و أَنشَدَ اللِّحْيَانيُّ لامرئِ القَيْس:
و يَأْكُلْنَ مِن قَوٍّ لُعَاعاً و رِبَّةً # تَجَبَّرَ بعد الأَكْلِ فهو نَمِيصُ
قَوّ: موضعٌ، و اللُّعَاع: الرَّقِيقُ من النَّبَات في أَوّل ما يَنْبُتُ، و الرِّبَّةُ: ضَرْبٌ من النَّبات، و النَّمِيصُ: النَّبَاتُ حين طَلَعَ وَرَقُه. و قيل: معنى هََذا البِيتِ أَنه عادَ نابِتاً مُخْضَرًّا بعد ما كان رُعِيَ؛ يعني الرَّوْضَ.
[١] كذا بالأصل، و العبارة لم ترد في الأساس، و هي عبارة الصحاح و بها صدّر. و فيه «تغني الرجل... أو تصلح عظمه» .
[٢] في الأساس: فاجتبر.
[٣] زيد في التهذيب: و كثير من الحجازيين يقولونها.
[٤] التهذيب: جبره.