تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٠٣ - سحر سحر
قال شَيْخُنَا: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ كَلاَمَ المُصَنِّف فيه تَنَاقُضٌ، فكان الأَوْلَى في الأُولَى: حتَّى يَصرِفَ قُلوبَ السامِعِين إِليه. و في الثَّانِيَة: حتّى يصرف قُلُوبَهُم عنه، لََكن قَولَه «أَيضاً» يُحَقِّق أَنّ كُلاًّ منهما: حتَّى يَصْرِف قُلوبَ السَّامِعِين.
و المُرَاد أَنه بفَصَاحَتِه يَصِير النَّاسُ يتَعَجَّبُون منه مَدْحاً و ذَمّاً، فتنصرف قلوب السامعين إِليه في الحالَتَيْن، كما قاله المصنّف. و لا اعْتِدادَ بذََلِك الزَّعْمِ. و هََذا الَّذِي قاله المُصَنّف ظاهِرٌ و إِن كان فيه خَفاءٌ. انتهى.
قُلتُ: لفظة «أَيضاً» ليست في نصّ أَبِي عُبَيْد [١] ، و إِنما زادَهَا المُصنِّف من عنده، و المفهوم منها الاتّحاد في الصَّرْف، غير أَنّه في الأَوّل: إِليه، و في الثاني: عنه إِلى قولِه الآخر و العبارة ظاهرةٌ لا تناقُضَ فيها، فتأَمَّل.
و قال بعضُ أَئِمَّة الغَرِيب، و قيل: إِنّ معناه إِنَّ مِنَ البَيَانِ ما يَكْتَسِب من الإِثْمِ ما يَكتَسِبه الساحِرُ بسِحْرِه ، فيكون في مَعْرض الذَّمّ. و به صَرَّحَ أَبو عُبَيْد البَكْريّ الأَنْدلُسِيّ في شَرْح أَمثال أَبِي عُبَيْد القَاسِم بنِ سَلاَّم، و صَحَّحَه غَيْرُ واحدٍ من العُلماءِ، و نَقَله السّيوطيّ في مرقاة الصُّعود، فأَقَرَّه، و قال: و هو ظَاهِرُ صَنِيع أَبِي دَاوودَ.
قال شيخُنَا: و عندي أَنَّ الوَجْهَيْن فيه ظَاهِرَانِ، كما قال الجَمَاهِيرُ من أَربابِ الغَرِيبِ و أَهْلِ الأَمثال.
و في التَّهْذِيب: و أَصْلُ السِّحْر : صَرْفُ الشَّيْءِ عن حَقِيقَته إِلى غَيْرِه، فكأَنّ السَّاحِرَ لمّا أَرَى الباطِلَ في صُورةِ الحَقِّ، و خَيَّل الشَّيْءَ على غيرِ حَقِيقَته فقد سَحَرَ الشَّيْءَ عن وَجْهِه، أَي صَرَفه.
و رَوَى شَمِرٌ عن ابْنِ أَبِي عائِشَةَ [٢] قال: العرب إِنَّما سَمَّت السِّحْرَ سِحْراً لأَنه يُزِيل الصِّحَّة إِلى المَرَض، و إِنما يقال: سَحَره ، أَي أَزالَه عن البُغْض إِلى الحُبّ. و قال الكُمَيْت:
و قَادَ إِلَيْهَا الحُبَّ فانْقَادَ صَعْبُهُ # بِحُبٍّ من السِّحْرِ الحَلاَلِ التَّحَبُّبُ
يريد أَنَّ غَلَبَةَ حُبِّها كالسِّحر و ليس به؛ لأَنَّه حُبٌّ حَلاَلٌ، و الحَلال لا يكون سِحْراً ، لأَن السِّحْر فيه كالخِدَاع.
قال ابنُ سِيدَه: و أَما ١٤- قولُه صلى اللّه عليه و سلّم : «مَنْ تَعَلَّم باباً من النُّجُوم فقد تعَلَّم بَاباً من السِّحر » . فقد يكون على المعنَى الأَوَّلِ، أَي أَن عِلْمَ النُّجُومِ مُحرَّمُ التَّعَلُّمِ، و هو كُفْرٌ، كما أَنّ عِلْمَ السِّحْرِ كذََلك. و قد يكون على المَعْنَى الثاني، أَي أَنه فِطْنَةٌ و حِكْمَةٌ، و ذََلِك ما أُدْرِك منه بطريقِ الحِسَابِ كالكُسُوف و نَحْوِه، و بهَذَا عَلَّلَ الدِّينَوَرِيُّ هََذا الحدِيثَ.
و السَّحْرُ ، بِالْفتح أَيضاً: الكَبِد و سَوادُ القَلْبِ و نَوَاحِيه.
و بالضَّم: القَلْبُ، عن الجَرْمِيِ ، و هو السُّحْرَةُ ، أَيضاً.
قال:
و إِنِّي امرؤٌ لم تَشْعُرِ الجُبْنَ سُحْرَتِي # إِذَا مَا انْطَوَى منِّي الفُؤَادُ على حِقْدِ
و سَحَرَ ، كمَنَعَ: خَدَعَ و عَلَّلَ، كسَحَّرَ تَسْحِيراً . قال امرؤُ القَيْس:
أُرَانا مُوضِعِينَ لأَمْرِ غَيْبٍ # و نُسْحَرُ بالطَّعَامِ و بِالشَّرَاب
قوله: مُوضِعِين، أَي مُسْرِعِين. و أَراد بأَمْرِ غَيْبٍ الموتَ.
و نُسْحَر أَي نُخْدَع أَو نُغَذَّى: يقال سَحَرَه بالطَّعَام و الشَّرابِ سَحْراً و سَحَّرَهُ : غَذَّاه و عَلَّلَه.
و أَما قَوْلُ لَبِيد:
فإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْن فإِنَّنَا # عَصَافِيرُ من هََذا الأَنَامِ المُسَحَّرِ
فإِنه فُسِّرَ بالوَجْهَيْن. و كذا قوله تعالى: إِنَّمََا أَنْتَ مِنَ اَلْمُسَحَّرِينَ * [٣] من التَّغْذِية و الخَدِيعَة.
و قال الفَرَّاءُ: إِنّك تَأْكُل الطعَام و الشَّرَاب فُتَعلَّلُ به.
و في التَّهْذِيب: سَحَر الرَّجلُ، إِذا تَبَاعَدَ.
و سَحِرَ ، كسَمِع: بَكَّرَ تَبكِيراً.
و المَسْحُورُ : المُفْسَدُ مِن الطَّعَامِ. و هو الذي قد أُفِسد عَمَلُهُ. قال ثعلب طَعامٌ مَسْحُورٌ : مَفْسُودٌ. قال ابنُ سِيدَه:
[١] نص أَبي عبيد كما في التهذيب: حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر.
[٢] في التهذيب و اللسان: ابن عائشة.
[٣] سورة الشعراء الآية ١٥٣.