تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٨٩ - سأَر سأَر
و شارِبٍ مُرْبِحٍ بالكَأْسِ نادَمَنِي # لا بالحَصُورِ و لا فيها بسَآرِّ
أَي أَنه لا يُسْئِرُ في الإِناءِ سُؤْراً ، بل يَشْتفه كُلَّه، و الرِّواية المشهورة: بسَوَّار ، أَي بمُعَرْبِدٍ وَثَّابٍ كما سيأْتِي.
و القِيَاسُ مُسْئِرٌ ، قال الجوهَرِيُّ: و نظيره أَجبَرَه فهو جَبَّار.
و يَجُوزُ ، أَي القياسُ، بناءً على أَنه لا يُتَوقَّف على السَّمَاع.
قال شيخُنَا: و الصواب خِلافُه، لأَن الأَصحّ في غيرِ المَقِيس أَنه لا يُقَال، و يُقدّم على القياس فيه إِلاّ إِذَا لم يُسْمَع فيه ما يَقُوم مَقَامَه، خلافاً لبعض الكوفيّين الذين يُجوِّزون مطلقاً، و اللّه أَعلم.
و في التَّهْذِيب: و يَجوز أَن يكون سَآرٌ من سأَرْت [١] و من أَسأَرْت ، كأَنَّه رُدَّ في الأَصل، كما قالوا: دَرَّاك من أَدْرَكْت، و جَبَّار من أَجْبَرْت.
و من المَجَاز: فيه سُؤْرَةٌ ، أَي بَقِيَّةٌ من شَبَابٍ. في الأَساس: يقال ذََلك للمرْأَةِ التي جاوَزَت الشَّبَابَ و لم يُهرِّمها الكِبَر. و في كتاب اللَّيْث: يقال: ذََلك للمرأَة التي قد جَاوَزَتْ عُنْفُوانَ شَبَابِها، قال: و منه قَولُ حُمَيْدِ بنِ ثَوْرٍ الهلالِيّ:
إِزاءُ مَعَاشٍ مَا يُحَلُّ إِزَارُها # من الكَيْس فيها سُؤْرةٌ و هي قاعدُ
أَراد بقوله: «قاعد» قُعودها عن الحَيْض، لأَنّها أَسنَّتْ، فقَول المصنّف فيه بتذْكِير الضمير مَحَلُّ تأَمُّل.
و من المَجاز: هََذِه سُؤْرَةٌ من القُرْآنِ و سُؤَرٌ منه، أَي بَقِيّة منه و قِطْعَةٌ، لُغَةٌ في سُورَة ، بالواو. و قيل: هو مأْخوذٌ من سُؤْرَة المالِ: جَيِّدُه، تُرِكَ هَمْزُهَا لَمَّا كَثُرَ الاستِعْمَالُ.
و في التَّهْذِيب: و أَمّا قَوله: «و سَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ» ، فإِنَّ أَهلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا على أَن معنَى سَائِر في أَمْثَالِ هََذا الموضِع بمَعْنَى الباقِي، من قَولك أَسَأَرتُ سُؤْراً و سُؤْرَةً إِذا أَفْضلْتَها و أَبقَيتَها، و السائِرُ : الباقِي ، و كأَنَّه من سَأَر يَسْأَر فهو سَائِر [أَي فَضَلَ] [٢] قال ابنُ الأَعرابِيّ فيما رَوَى عنه أَبُو العبّاس: يقال سَأَر و أَسْأَر ، إِذا أَفْضَلَ، فهو سائِرٌ . جَعَلَ سَأَرَ و أَسْأَر واقِعَيْنِ، ثم قال: و هو سائِرٌ ، قال: قال: فلا أَدرِي أَرادَ بالسّائِر المُسئِرَ [٣] ، لا الجَمِيعُ كما تَوهَّمَه [٤] جماعاتٌ اعتماداً على قَولِ الحريريّ في: «درة الغواص في أَوْهَام الخواصّ» .
و ١٤- في الحديث : «فَضْلُ عائِشةَ على النِّسَاءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ على سائِر الطَّعَامِ» . أَي باقيه. قال ابن الأَثير: و الناسُ يَسْتعملونه في معنَى الجَمِيع، و ليس بصَحِيح، و تَكَرَّرَت هََذه اللفظة في الحديث و كلّه بمعنَى باقِي الشيْءِ، و الباقِي:
الفاضِلُ، و هََذه العبارة مأْخُوذة من التَّكْمِلة. و نصّها: سائِرُ النَّاس: بَقِيَّتُهُم، و ليس معناه جماعَتَهم [٥] كما زَعَم من قَصُرَت معرفَتُه، انتهى أَو قد يُسْتَعْمَل لَهُ ، إِشارَة إِلى أَن في السّائِر قَوْلَيْنِ:
الأَوّل: و هو قول الجمهور من أَئمّة اللُّغَة و أَرباب الاشتقاق أَنه بمعنَى الباقِي، و لا نِزاعَ فيه بينهم، و اشتقاقُه من السُّؤْر و هو البَقِيّة.
و الثاني: أَنه بمعنَى الجَمِيع، و قد أَثبتَه جماعةٌ و صَوَّبوه، و إِليه ذَهَب الجوهريّ و الجواليقيّ، و حقَّقه ابن بَرِّيّ في حواشي الدُّرَّة، و أَنشد عليه شَواهِدَ كثيرةً و أَدِلَّة ظاهِرَةً، و انتَصر لهم الشيخُ النَّوَوِيّ في مواضِعَ من مُصنَّفاته.
و سَبَقَهم إِمامُ العربيّة أَبو عَلِيٍّ الفارِسِيّ، و نقلَه بعضٌ عن تلميذِه ابنِ جِنِّي.
و اختلفوا في الاشتقاق فقيل: من السَّيْر، و هو مَذْهبُ الجوهريّ و الفارسيّ و مَنْ وَافقهما، أَو من السُّور المحيطِ بالبلَد، كما قاله آخَرون. و لا تناقُضَ في كلامِ المُصَنِّف و لا تَنَافِيَ، كما زَعَمَه بعضُ المُحَشِّينَ، و أَشار له شَيخُنا في شَرْحِه على دُرَّة الغَوَّاص، فَرَحِمه اللّه تعالى و جزَاه عنّا خَيْراً.
ثم إِنّ المصنِّف ذكر للقَوْل الثَّانِي شاهِداً و مَثَلَيْن، كالمُنْتَصِر له، فقال و منهُ قولُ الأَحْوصِ الشاعر:
[١] عبارة التهذيب: من سأرت و هو الوجه، و يجوز أن يكون من أسأرت كأنه رده إلى الثلاثي.
[٢] زيادة عن التهذيب.
[٣] الأصل و اللسان، و في التهذيب: أراد بالسائر المسَيِّر أو الباقيَ الفاضلَ.
[٤] في القاموس: توهّم.
[٥] في التكملة: جماعة الناس.