الكافي في اصول الفقه - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٦٣٩ - تقريب إمكان التجزي ووقوعه
المتعارف من تدرج رجل العلم في المعلومات، وفي المهارة فيه، وفي قوة النظر، والذوق الفقهي باستمرار الممارسة، فلا يتسنى له في أول مراحله إلا تشخيص الوظيفة في الفروع الفقهية غير المعقدة، التي يسهل إثبات كبرياتها الأصولية، وإحراز موضوع تلك الكبريات فيه، ثم يقوى على الأصعب فالأصعب بطول الزمن مع استمرار الممارسة وإعمال النظر والملاحقة.
وربما يبقى عاجزاً عن تشخيص الوظيفة في بعض الفروع، لشدة تعقده،
واضطراب الوجدان عليه فيه، لتصادم جهات الكشف عن الوظيفة الفعلية، أو ابتلائها بما يمنع من الركون إليه، كما يبتلى به أعاظم المجتهدين في كثير من الموارد، فيتوقف عن الفتوى فيه. ولعله لذا اكتفى في الفصول في الاجتهاد المطلق بالقدرة على استنباط جملة معتد بها من الأحكام.
نعم قد يكون منشأ التوقف عن الفتوى التورع والاحتياط للواقع، أو تجنب بعض المحاذير، مع القدرة على تشخيص الوظيفة، ولذا قد يفتي لو ترجح في نظره ذلك، لحاجة الناس للفتوى أو نحوه. لكنه غير مطرد، بل قد يكون للعجز، كما ذكرن.
في وجوب عمل المتجزي برأيه
هذا ولا ينبغي التأمل في وجوب عمل المتجزي برأيه فيما وصل إليه، وإن قيل إنه محل خلاف. لعموم أدلة الحجج له، فيقطع بمقتضاها بالوظيفة الفعلية، كما يقطع بها في موارد الأصول الفعلية. ولا مجال لتخلف القاطع عن قطعه، فضلاً عن حجية رأي غيره عليه ممن يخالفه ويكون جاهلاً بنظره. ولا يقلد الغير إلا فيما يعجز عن تشخيص الوظيفة فيه، لدخوله في كبرى رجوع الجاهل للعالم بالإضافة إليه.
وأما الرجوع للمتجزي وتقليده فيما وصل إليه فالكلام فيه موكول لمبحث التقليد.