الكافي في اصول الفقه - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٤٩ - الكلام في ارتكاب جميع الأطراف تدريج
مخالفة الأصول للعلم المنجز من دون أن يلزم الترخيص في المعصية
بقي شيء. وهو أن المحذور المذكور مختص بجريان الأصول الترخيصية في أطراف العلم الإجمالي بالتكليف، ولا موضوع له في غير ذلك.
لكن الظاهر عموم المنع لكل مورد ينافي حجية العلم، وإن كان المعلوم بالإجمال أمراً غير التكليف، ولا يلزم من جريان الأصل في تمام الأطراف المعصية. لأن حجية العلم حيث كانت ذاتية لا تقبل الردع تعين امتناع جعل الأصل المخالف لها عمل.
مثلاً: لو علم إجمالاً باستحباب أحد أمرين امتنع جريان الأصل النافي للاستحباب فيهما مع، لأن العلم باستحباب أحدهما - بمقتضى حجيته الذاتية - ينقح موضوع حسن الطاعة، كما ينقح العلم بوجوب أحدهما موضوع وجوبه، ولا مجال مع ذلك للتعويل على الأصل المذكور. ومن ثم حكموا بأنه لو علم ببطلان إحدى النافلتين لم تجر قاعدة الفراغ فيهما مع.
كما أنه لو علم بإباحة أحد أمرين امتنع الرجوع للأصل المقتضي لحرمة كل منهما - كالاستصحاب - لأن مقتضى الأصل المذكور تنجيز احتمال الحرمة في كل منهما والتعبد به، بحيث يكون تركه بملاك المعصية فيه، وهو مناف للعلم بإباحة أحدهم.
نعم لو ترتب الأثر على الأصل الجاري في بعض الأطراف بالنحو الذي لا ينافي العلم المذكور اتجه جريانه، كما لو كان لأحد الطرفين المسبوقين بالنجاسة والمعلوم فعلاً طهارة أحدهما ملاق برطوبة فإنه يتعين استصحاب نجاسة الملاقى لإثبات نجاسة الملاقي، لعدم منافاته للعلم بطهارة أحدهم، بخلاف ما لو كان لكل منهما ملاق، فإنه لا مجال لاستصحاب نجاستهما معاً لإثبات نجاسة الملاقيين، لمنافاته للعلم بطهارة أحدهما وطهارة ملاقيه.