الكافي في اصول الفقه - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٧٤ - التفصيل المختار في حجية المتعارضين في نفي الثالث
مدلوله، بل على خفاء وجه الجمع العرفي بينهم، مع صلوح كل منهما للقرينية على الآخر عرف، بحيث لا يتوقف العرف عن تحصيل المراد منهما رأس، بل عن تعيينه مع تردده إجمالاً بين وجهين تعين حجيتهما في نفي الثالث، لخروجه عن طرفي الترديد. كما هو الظاهر في مثل العامين من وجه في مورد الاجتماع.
هذا كله إذا كانت حجية الكلام في لازم مدلوله - ومنه نفي الثالث - لمجرد بناء العقلاء وارتكازياتهم على ذلك، من دون أن يكون الكلام مسوقاً لبيانه. أما إذا كان الكلام مسوقاً لبيان اللازم، نظير الكناية فاللازم بنفسه - كالملزوم - يكون موضوعاً للعنوان المأخوذ في دليل الحجية، كالخبر والنبأ والشهادة، فالكلام الواحد ينحل إلى خبرين خبر عن الملزوم وخبر عن اللازم، وحينئذٍ لا يكون سقوط أحد الخبرين - وهو الخبر عن الملزوم - عن الحجية مستلزماً لسقوط الآخر - وهو الخبر عن اللازم - عنه، من دون فرق بين منشأ السقوط عن الحجية. ويتعين حينئذٍ حجيتهما في نفي الثالث.
كما لو ورد أنه قيل للإمام(ع): هل صلاة التراويح فريضة؟ فأجاب منكراً لذلك بأنها سنّة، ثم ورد أنه أجاب بأنها بدعة. فإن تعارض الخبرين في أنها سنّة أو بدعة لا يكون مانعاً من حجيتهما في أنها ليست فريضة. وكما لو سمع شاهدان من يقول: أن زيداً عمّر طويل، فقالا منكرين ذلك: مات عن ثلاثين سنة، وشهد آخران أنه مات عن أربعين، حيث لا يكون تعارضهما في تحديد سنّه مانعاً من حجيتهما في نفي طول عمره، لأنه خبر آخر للبينتين لا قصور فيه ذات، ولا مانع من حجيته. بل لو صدر كل من الخبرين من واحد، تمت بهما البينة في المدلول الالتزامي - وهو نفي طول عمره - وإن لم تتم البينة في كل من مدلوليهما المطابقيين اللذين تعارضا فيهم.