الكافي في اصول الفقه - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٥١ - الكلام في دلالة النبوي
بل إذا دار الأمر بين حمل الكلام على أمر ارتكازي عرفي وأمر تعبدي كان المتعين الأول، لأن أنس الذهب به يوجب انصراف الكلام إليه وظهوره فيه ما لم تقم قرينة صارفة عنه، معينة للثاني.
تحقيق مفاد (من) في النبوي
هذا وقد يدفع الاستدلال بالحديث على القاعدة، بأنه لا دليل على كون (من) تبعيضية، بل قد تكون بمعنى الباء أو بيانية أو زائدة.
لكنه يشكل بأن ورود (من) بمعنى الباء وإن حكي عن يونس مستشهداً عليه بقوله تعالى: {ينظرون من طرف خفي}[١]. إلا أن من القريب جداً كونها في الآية ابتدائية، لبيان المنش، نظير قولنا: جرى الماء من الميزاب، فكأن النظر يصدر من الطرف، ومنه ينش. مع أنه لو سلم كونها بمعنى (الباء) فهي بمعنى (باء) الاستعانة أو الآلة، لا (باء) التعدية، ليناسب المقام.
كما أنه لا يبعد رجوع البيانية التي يراد بها بيان جنس ما قبلها - نظير خاتم من حديد - إلى الابتدائية - التي لا مجال لها في المقام - أو التبعيضية التي يحاول المدعي الفرار منه، فكأن المراد: خاتم ناشئ من حديد، أو بعض منه. مع أنها تختص بما إذا كان
مابعدها جنساً لما قبلها - كالمثال المتقدم - دون مثل المقام مما وقعت فيه بين الفعل ومتعلقه، إذ لم يعهد إرادة الجنس حينئذٍ، كي يكون المراد هنا: إذا أمرتكم بشيء فأتوا بجنسه ما استطعتم.
وأما زيادة (من) في غير ما إذا كان مدخولها نكرة مسبوقة بنفي أونهي، فهي وإن قيل بها في مثل قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}[٢] إلا أن الظاهر رجوعها فيه للتبعيضية، وأن المراد الأمر بتبعيض النظر. إما بلحاظ المنظور، لأن المنهي عنه هو النظر لبعض الأمور،كالأجنبية، أو بلحاظ المرتبة
[١] سورة الشورى الآية: ٤٥.
[٢] سورة النور الآية: ٣٠.