الكافي في اصول الفقه - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٧ - مطابقة الآية لمفاد البراءة الأصلية
مطابقة الآية لمفاد البراءة الأصلية
بقي شيء. وهو أن مقتضى إطلاق الآية توقف العذاب على إرسال الرسول في الجملة، ولو ببيان وجوب الاحتياط، دون بيان خصوص التكليف المعاقب عليه. ومن ثم كانت دالة على أن البراءة مقتضى الأصل الأولي، فلا تنافي قيام الأدلة الشرعية على وجوب الاحتياط حيث تكون رافعة لموضوع الأصل المذكور.
(الثانية): قوله تعالى:{رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً}[١]، دلت على أنه لولا بعث الرسل لكانت الحجة للناس علىالله تعالى، وهوشاهدبأن الأصل الأولي البراءة، ولوكان هو الاحتياط لكانت الحجة له تعالى، ولكان العبد يستحق العقاب، حتى مع عدم بعث الرسل.
لكن قد يشكل ذلك بأن ثبوت الحجة للناس مع عدم بعث الرسل أعم من جريان البراءة، لأن وجوب الاحتياط على الناس مع الشك في التكليف لا ينافي وجوب اللطف عليه تعالى ببعث الرسل من أجل بيان شرايع الدين وتنبيه الغافلين، فإن عليه تعالى أن يرفع العلة من قِبَله،وإن لزم علىالناس مع الشك الاحتياط للتكليف - بمقتضى الأصل الأولي أو الثانوي - لو منعت الأسباب الخارجية من معرفتهم، ومن وصول بيانه تعالى لهم.
نعم لو ثبتت الحجة للناس مع عدم بعث الرسل في خصوص أمر العقاب، بحيث يقبح بدون بعثهم رجع ذلك إلى المعذرية المساوقة للبراءة. لكن الآية لا تدل على ذلك بخصوصه، وثبوت الحجة عليه تعالى أعم، إذ قد يكون لمجرد وجوب اللطف عليه، كما ذكرن.
[١] سورة النساء الآية: ١٦٥.