سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٠ - الباب التاسع عشر في نفقته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب التاسع عشر في نفقته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى أبو داود و البيهقي عن أبي عامر عبد اللّه قال: لقيت بلالا مؤذن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحلب فقلت: حدثني كيف كانت نفقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: ما كان له شيء من ذلك، إلا أني الذي كنت آتي ذلك منه منذ بعثه اللّه تعالى، إلى أن توفي، فكان إذا أتاه الإنسان فرآه عاريا يأمرني فأنطلق، فأستقرض، فأشتري البردة، و الشيء، فأكسوه و أطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إن عندي سعة، فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي قلت: لبيك فتجهّمني، و قال قولا غليظا، فقال: ألا ترى كم بينك و بين الشهر؟
قلت: قريب، قال: إنما بينك و بينه أربع ليال، فآخذك بالذي عليك، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك، و لا من كرامة صاحبك، و لكن أعطيتك لتصير لي عبدا، فأذرك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت، ثم أذنت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة، رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أهله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي، إن المشرك الذي قلت لك إني كنت أتديّن منه قد قال:
كذا و كذا و ليس عندك ما تقضي عني، و لا عندي، و هو فاضحني، فأذن لي أن آتي بعض هؤلاء الأحياء الذين أسلموا حتى يرزق اللّه تعالى رسوله ما يقضي عني، فخرجت حتى أتيت منزلي فحملت سيفي و جرابي و رمحي، و نعلي عند رأسي، و استقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمت انتبهت، فإذا رأيت عليّ ليلا نمت، حتى انشق عمود الصبح الأول، فأردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال أجب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فانطلقت، حتى أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإذا أربع ركائب عليهن أحمالهن،
فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاستأذنت، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أبشر يا بلال، فقد جاءك اللّه تعالى بقضائك، فحمدت اللّه تعالى»، فقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع؟ قال: فقلت: بلى؟ قال: فإن لك رقابهن، و ما عليهن، فإذا عليهن كسوة، و طعام، أهداهن له عظيم فدك قال: فاقبضهن إليك، ثم اقض دينك،
قال:
ففعلت، فحططت عنهن أحمالهن، ثم عقلتهن، ثم عدت إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاة الصبح، خرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعي في أذني، فناديت، و قلت: من كان يطلب من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دينا فليحضر، فما زلت أبيع و أقضي حتى لم يبق على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دين في الأرض، حتى فضل عندي أوقيتان، أو أوقية و نصف، ثم انطلقت إلى المسجد و قد ذهب عامة النهار، فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاعد في المسجد وحده