سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٩ - الباب السادس عشر في زهده في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ورعه، و اختياره الفقر، و سؤاله ربه تبارك و تعالى أن يكون مسكينا
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو متكئ على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول اللّه لو اتخذت فراشا أدثر من هذا، فقال: «ما لي و للدنيا، ما مثلي و مثل الدنيا إلا كراكب استظل في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح و تركها» [١].
و روى البزّار عن زيد بن أرقم رضي اللّه تعالى عنه قال: كنا مع أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه إذا استسقى، فأتي بماء و عسل، فلما وضعه على يديه بكى و انتحب، حتى ظننا أن به شيئا، و لا نسأله عن شيء، فلما فرغ قلنا: يا خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ما حملك على هذا البكاء؟
قال: بينما أنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأيته يدفع عن نفسه شيئا و لا أرى شيئا، فقلت: يا رسول [اللّه] ما الذي أراك تدفع عن نفسك، و لا أرى شيئا؟ قال: «الدنيا تطلعت لي،» فقلت:
إليك عني، فقال لي: «أما إنك لست بمدركي،» قال أبو بكر: فشق عليّ، و خشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لحقتني الدنيا [٢].
و روى الحسن بن عرفة [٣] في جزئه المشهور، و ابن عساكر عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار فرأت على فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عباءة خشنة، فانطلقت، فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: يا رسول اللّه فلانة الأنصارية دخلت، فرأت فراشك، فذهبت، فبعثت إليّ بهذا الفراش، فقال: «ردّيه،» قالت: فلم أردّه، و قد أعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك مرات، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو اللّه لو شئت لأجرى اللّه معي الجبال ذهبا و فضة» [٤].
و روى الإمام أحمد في الزهد عن إسماعيل بن أميّة قال: صنعت عائشة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فراشين، فأبى أن يضطجع على واحد.
و روى ابن مردويه عن ابن مسعود، و ابن مردويه و الدّماميني عن أبي الدّرداء، و أبيّ ذر، و سعيد بن منصور، و ابن المنذر عن أبي مسلم الخولاني، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «ما أوحى اللّه إليّ أن أجمع المال، و أكون من التاجرين، و لكن أوحى إليّ أن» فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [٥].
[١] تقدم.
[٢] انظر مجمع الزوائد ١٠/ ٢٥٤ و المنذري في الترغيب ٤/ ٢٠٧ و المتقي الهندي في الكنز (١٨٥٩٧).
[٣] الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي، أبو علي البغدادي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع و خمسين و مائتين، و قد جاوز المائة. التقريب ١/ ١٦٨.
[٤] أخرجه البيهقي في الدلائل ١/ ٣٤٥ و الخطيب في التاريخ ١١/ ١٠٢ و انظر فتح الباري ١١/ ٢٩٢ و الترغيب و الترهيب ٤/ ٢٠٢ و البداية ٦/ ٦٢.
[٥] أحمد في الزهد (٣٩١) و أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٣١ و البغوي في التفسير ٤/ ٧٨ و ابن عدي ٥/ ١٨٩٧، ٣/ ٩٣٩ و السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٠٩.