سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٩ - الباب الرابع عشر في إعطائه القود من نفسه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
جريدة سلّاها، و بقيت هكذا سلاة، ثم لم ينظروا إليها فقال: أخّروا عني، لهذا غميتموني، فأصاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بطن رجل فأدماه، فخرج الرجل، و هو يقول: هذا فعل نبيك، فسمعه عمر فقال: انطلق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإن كان هو أصابك فسوف يعطيك من نفسه الحق، و إن كنت كذبت لأرغمك بعمامتك حتى يتحدث، فقال الرجل: انطلق بسلام، فلست أريد أنطلق معك، قال: ما أنا بوادعك، فانطلق، فأتى به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: «أ حقا أنا أصبتك؟» قال: نعم، قال: «فما تريد؟» قال: فأستقيد منك، فأمكنه من الجريدة، و كشف عن بطنه، فألقى الجريدة من يده، و قبّل سرّته، و قال: «هذا أردت، لكي ما يقمع الجبار من بعدك»، فقال عمر: أنت كنت أوثق عملا مني [١].
و روى الدّارمي و عبد بن حميد، و عبد الرزاق عن أبي هريرة أو أبي سعيد قال: كان رجل من المهاجرين، و كان ضعيفا، و كان له حاجه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأراد أن يلقاه على خلاء فيسأل حاجته، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معسكرا بالبطحاء [٢]، و كان يجيء من الليل، فيطوف البيت، حتى إذا كان في وجه السّحر صلّى بهم صلاة الغداة، فحبسه الطّواف ذات ليلة حتى أصبح، فما استوى على راحلته عرض له الرجل، فأخذ بخطام ناقته،
فقال: يا رسول اللّه، لي إليك حاجة، قال: إنك ستدرك حاجتك، فأبى، فلما خشي أن يحبسه خفقه بالسوط، ثم مضى، فصلى بهم صلاة الغداة، فلما انفتل أقبل بوجهه إلى القوم، و كان إذا فعل ذلك عرفوا أنه قد حدث أمر، فاجتمع القوم حوله، فقال: أين الرجل الذي جلدت آنفا؟ فأعادها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجعل الرجل يقول: أعوذ باللّه، ثم برسول اللّه، و جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:
«ادنه ادنه»، حتى دنا منه، فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين يديه، و ناوله السوط، فقال: «خذ بمجلدك فاقتص». فقال: أعوذ باللّه أن أجلد نبيه، فقال: «إلا أن تعفو»، فألقى السوط و قال: قد عفوت يا رسول اللّه، فقام إليه أبو ذرّ فقال: يا رسول اللّه، تذكر ليلة العقبة، و أنا أسوق بك، و أنت نائم، كنت إذا سقتها أبطأت، و إذا سقتها اعترضت، فخفقتك خفقة بالسوط، و قلت: قد أتاك القوم، و قلت: «لا بأس عليك»، فدعا برسول اللّه أن يقتص، قال: «قد عفوت»، قال:
اقتص، فهو أحب إليّ، فجلده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلقد رأيته يتضوّر من جلد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم قال: «أيها الناس اتقوا اللّه، فو اللّه لا يظلم مؤمن مؤمنا إلا انتقم اللّه تعالى منه يوم القيامة» [٣].
و روى الإمام أحمد، و أبو داود، و النّسائي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه
[١] انظر المجمع ٦/ ٢٨٩.
[٢] انظر مراصد الاطلاع ١/ ٢٠٣.
[٣] انظر جمع الجوامع للسيوطي (٩٦٣٨).