سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٣ - تنبيهات
مشرفا عليها، و جملة حاله لا يشرف على نهايتها أحد من الخلق، و نقل الإمام الرافعي (رحمه اللّه تعالى) في أماليه عن سيدنا الصديق رضي اللّه تعالى عنه، أنه مع علو مرتبته تمنى أن يشرف عليها، فقال: ليتني شهدت ما استغفر منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) انتهى، و تكلم في معناه آخرون بحسب ما انتهى إليه فهمهم، و لهم منهجان: أحدهما حمل الغين على حالة جميلة، و مرتبة عالية اختص بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و المراد من استغفاره: خضوعه، و إظهار حاجته إلى ربه، و ملازمته للعبودية، قال أبو سعيد الخرّاز [١] فيما نقله عنه الإمام الرافعي: الغين شيء لا يجده إلا الأنبياء، و أكابر الأبرار و الأولياء، لصفاء أسرارهم، و هو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم.
قال الرافعي [٢]: و حمله على عارض غيره أكمل منه، فيبادر إلى الاستغفار، و على هذا كثرت التنزيلات و التأويلات، فقيل كان سبب الغين النظر في حال الأمة، و اطّلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم. و قيل: سببه ما يحتاج إليه من التبليغ، و مشاهدة الخلق، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع اللّه تعالى. و قيل: ما كان يشغله من تمادي قريش و طغيانهم. و قيل: ما كان يجده من محبة إسلام أبي طالب. و قيل: لم يزل (صلّى اللّه عليه و سلّم) مترقيا من رتبة إلى رتبة، فكلما رقي درجة التفت إلى ما خلفها، وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، و ذلك هو الغين، فيستغفر منه، قال: و هذا ما كان يستحسنه والدي (رحمه اللّه تعالى) و يقرره.
و من هؤلاء من نزل الغين على السكينة و الاطمئنان، قال البيهقي في الشّعب: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ قال: سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سهل: يعني الصّعلوكي [٣] أحد أئمة الشافعية يقول: في قوله: ليغان على قلبي و أيد أنّ أحدهما يختص به أهل الإشارة، و هو حملهم إياه على غشية السّكرة التي هي الصحو في الحقيقة، و معنى الاستغفار على التجسر للكشف
[١] أحمد بن عيسى الخراز، أبو سعيد: من مشايخ الصوفية بغدادي. نسبته إلى خيرز الجلود. قيل إنه أول من تكلم في علم الفناء و البقاء. له تصانيف في علوم القوم منها كتاب الصدق، أول الطريق إلى اللّه. و من كلامه: إذا بكت أعين الخائفين، فقد كاتبوا اللّه بدموعهم. توفي ٢٨٦ ه. الأعلام ١/ ١٩١.
[٢] عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن، الإمام العلامة إمام الدين، أبو القاسم القزويني الرافعي، صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور و الذي نقوم بتحقيقه، و إليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار، في غالب الأقاليم و الأمصار، و لقد برز فيه على كثير ممن تقدمه، و حاز قصب السبق، فلا يدرك شأوه إلا من وضع يديه حيث وضع قدمه. توفي في ذي القعدة سنة ثلاث، و عمره نحو ست و ستين. الطبقات لابن قاضي شهبة ٢/ ٧٥، ٧٦.
[٣] محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون الإمام، أبو سهل الصعلوكي الحتمي نسبا، ثم العجلي، النيسابوري.
الفقيه، المفسر، الأديب، اللغوي، النحوي، الشاعر، المفتي، الصوفي، حبر زمانه، و بقية أقرانه- هذا قول الحاكم فيه.
ولد سنة ست و تسعين و مائتين. و أخذ عن ابن خزيمة ثم عن أبي علي الثقفي و أفتى و درس بنيسابور نيفا و ثلاثين سنة.
انظر الطبقات لابن قاضي شهبة ١/ ١٥٠.