سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥١ - الباب العاشر في كرمه وجوده (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى الدّارمي عن هارون بن أبان قال: قدم للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبعون ألف درهم، و هو أكثر مال أتي به قط، فوضع على حصير من المسجد، ثم قام بنفسه، فما رد سائلا، حتى فرغ منه، قالوا: و يحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم، فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قسم بين رجلين من النّعم و الشاء ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث، و ذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أنه في يوم حنين جاءت امرأة، فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذ، و أعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف، قال ابن دحية: و هذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الجود ...
و روى البخاري عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، قال: أتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمال من البحرين فقال: انظروا يعني صبّوه في المسجد، و كان أكثر مال أتى به (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المسجد، و لم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال: يا رسول اللّه أعطني، فإني فأديت نفسي، و فأديت عقيلا، فقال: «خذ» فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول اللّه مر بعضهم يرفعه إليّ قال: «لا»، قال: فارفعه أنت، قال: «لا أستطيع»، ثم نثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول اللّه: مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: «لا»، قال: فارفعه أنت»، قال: «لا» ثم نثر منه فاحتمله، فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا منه، فما قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ثمّ منها درهم، و رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا
أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال: و هو أول مال حمل إليه.
و روى الشيخان عن جابر رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فضربه، و دعا له، فسار سيرا لم يسر مثله، ثم قال: «بعنيه بوقيّة»، قلت: لا، ثم قال:
«بعنيه بوقيّة»، فبعته و استثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة أتيته بالجمل، و نقد لي ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل إلي فقال: «ما كنت لآخذ جملك، هو لك»
و في لفظ البخاري قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) لجابر في سفر: «بعني جملك»، فقال: هو لك يا رسول اللّه، بأبي و أمي، فقال:
«بعنيه» فباعه إياه، و أمر بلالا أن ينقده ثمنه، فأنقده ثم قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اذهب بالثمن و الجمل بارك اللّه لك فيهما»،
انتهى، فعل ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكافأة لقوله: بل هو لك، فأعطاه الثمن، ورد عليه الجمل، و زاد الدعاء بالبركة.
و روى الشيخان عن أبي عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أجود الناس، و كان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقى جبريل، و كان يلقاه كل ليلة من رمضان،