سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩ - الباب العاشر في كرمه وجوده (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب العاشر في كرمه وجوده (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روي عن الشيخين و الإمام أحمد و ابنه عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما قال: ما سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «لا» [١]، و للّه در الفرزدق حيث قال:
ما قال لا قطّ إلّا في تشهّده* * * لو لا التّشهّد كانت لاؤه نعم
و روى الخرائطي، و الطّبراني عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا سئل عن شيء فأراد أن يفعله قال: «نعم» و إن أراد ألا يفعله سكت، و كان لا يقول لشيء لا [٢].
و روى أبو ذر عبد اللّه بن أحمد الهروي في دلائله عن محمد بن السّري العسقلاني [قال]: كنت أنا و رجل من أهل عسقلان نطلب المشايخ نقرأ عليهم القرآن فرأيت كأني و صاحبي اختلفنا في آية وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب ٦٨] و قال صاحبي: كثيرا، فلقيت آدم بن أبي إياس فقلنا: نسألك، فقال: و هذا محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر و عمر و عثمان،
فقلت: يا رسول اللّه ادع لي، فسكت، فقلت: يا رسول اللّه، ما لك لا تدعو لي؟
فو اللّه لقد حدثني سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر عن جابر أنك ما سئلت عن شيء قط فقلت: لا، فتبسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و دعا لي، فقلت: يا رسول اللّه: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب ٦٨] فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كبيرا كبيرا كبيرا».
و روى الإمام أحمد، و مسلم عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: ما سئل رسول اللّه شيئا إلا أعطاه و لقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى أهله فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، و إن كان الرجل ليجيء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما يريد بذلك إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا و ما بينها [٣]، و يرحم اللّه تعالى أبا عبد اللّه محمد المعروف بابن جابر حيث قال:
هذا الّذي لا يخش فقرا إذا* * * يعطي و لو كثر الأنام و داموا
هذا من الأنعام أعطى أملا* * * فتحيّرت لعطائه الأفهام
و أعطاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك، لأنه (عليه الصلاة و السلام) علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء، و هو الإحسان، فعالجه به حتى برأ من داء الكفر، و هذا من كمال شفقته، و رحمته و رأفته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أي
[١] أخرجه من حديث جابر البخاري ١٠/ ٤٥٥ (٦٠٣٤) و مسلم ٤/ ١٨٠٥ (٥٦/ ٢٣١١).
[٢] انظر المجمع ٩/ ١٠٢١٣/ ١٧١.
[٣] أخرجه مسلم ٤/ ١٨٠٦ (٥٨/ ٢٣١٢).