سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦ - الباب التاسع في شجاعته، و قوته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب التاسع في شجاعته، و قوته (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال اللّه سبحانه و تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٨٤] استنبط بعض السلف من الآية أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مأمور أن لا يفرّ من المشركين إذا واجهوه، و لو كان وحده.
و روى أبو زرعة الرازي في دلائل النبوة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «فضلت على الناس بشدة البطش» [١].
و روى ابن سعد عن محمد بن الحنفيّة رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أشجع الناس، و قال: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) راجعا، و قد سبقهم إلى الصوت، و هو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، و هو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا، ما وجدت من شيء، و قال للفرس: وجدناه بحرا، و إنه لبحر،
قال: و كان فرسه بطيئا فيه قطاف فما سبق بعد، و هذا من جملة معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) كونه ركب فرسا قطوفا بطيئا فعاد بحرا لا يسابق، و لا يجارى [٢].
و روى الإمام أحمد، و ابن ماجة عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: كنا إذا حمي البأس و لقي القوم القوم، اتقينا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه [٣].
و روى عنه أيضا قال: لما كنا يوم بدر اتقينا المشركين برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان أشد الناس بأسا يومئذ، و ما كان أحد أقرب من المشركين منه.
و روى ابن أبي شيبة عن البراء سأله رجل من قيس: أ فررتم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم حنين؟ فقال البراء: و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يفر، كانت هوازن ناسا رماة، و إنا لما حملنا عليهم انكشفوا، و أكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، و لقد رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بغلته البيضاء، و إن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها،
و هو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»
انتهى، و هذا ما يكون في غاية من الشجاعة التامة لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغي، و قد انكشف عنه جيشه، و هو مع هذا مع بغلة ليست للجري، و لا تصلح لكر و لا فر و لا هرب، و هو مع ذلك يركضها إلى وجوههم، و ينوّه باسمه، ليعرفه من ليس يعرفه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[١] الخطيب في التاريخ ٨/ ٧٠ و أورده ابن الجوزي ١/ ١٦٩ و انظر المجمع ٨/ ٢٦٩، ٩٢/ ١٣ و البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢١٣ و في الدلائل ٥/ ٤٧٥ و انظر البداية ٦/ ٧٠.
[٢] الحديث عند البخاري ٥/ ٢٤٠ (٢٦٢٧، ٦٠٣٣) و مسلم ٤/ ١٨٠٢ حديث (٤٨/ ٢٣٠٧) و أحمد ٣/ ١٤٧، ٢٦١.
[٣] انظر الجامع الكبير للسيوطي ٢/ ٣٠٢.