سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - تنبيه في بيان غريب ما سبق
مرج لم تر عيني مثله، يرفّ رفيفا، يقطر ماؤه، و فيه من أنواع الكلأ، فكأني بالرّعلة الأولى حين أشنفوا على المرج كبّروا، ثم أكبّوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، و منهم الآخذ الضّغث، و مضوا على ذلك، ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا، و قالوا: هذا خير المنزل، و كأني أنظر إليهم يميلون يمينا و شمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا بك يا رسول اللّه على منبر فيه سبع درجات، و أنت في أعلاها درجة، و إذا عن يمينك رجل آدم مسبّل أقنى، إذا هو يتكلم يفرع الرجال طولا و إذا عن يسارك رجل ربعة نار أحمر كثير خيلان الوجه، كأنما عمّم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم له إكراما له، و إذا أمامكم رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا و وجها، كلكم تؤمونه تريدونه، و إذا أمامه ناقة عجفاء شارف، فإذا بك أنت يا رسول اللّه، كأنك تبعثها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب فذاك ما حملتكم عليه من الهدي الذي أنتم عليه، و أما المرج الذي رأيت فالدنيا و غضارة عيشتها، مضيت أنا و أصحابي لم نتعلق منها بشيء و لم تتعلق منا و لم نردها و لم تردنا، ثم جاءت الرّعلة الثانية من بعدنا، و هم أكثر أضعافا، فمنهم المرتع، و منهم الآخذ الضّغث، و نجوا على ذلك، ثم جاء عظم الناس فمالوا على المرج يمينا و شمالا، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و أما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلم تزل عليها حتى تلقاني، و أما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات و أنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، و أنا في آخرها ألفا، و أما الرجل الذي رأيت عن يميني الآدم المسبّل فذاك موسى بن عمران (عليه السلام)، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام اللّه تعالى إياه، و الرجل الذي رأيت عن يساري التار و الرّبعة الكثير خيلان الوجه فذاك عيسى ابن مريم (عليهما السلام)، نكرمه لإكرام اللّه تعالى إياها، و إن الشيخ الذي رأيته أشبه الناس بي خلقا و وجها، فذاك أبي إبراهيم (عليه السلام)، كلنا نؤمه و نقتدي به، و أما الناقة التي رأيتها و رأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم، لا نبي بعدي و لا أمة بعد أمتي».
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
رحب: براء مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة: الواسع.
السّهل: بسين مهملة مفتوحة فهاء ساكنة فلام هنا: ضد الحزن.
اللاحب: بلام فألف ساكنة فمهملة فموحدة: الواضح.
الجادّة: بجيم فألف، فدال مهملة مفتوحة مشددة، فتاء تأنيث: السّواء و الوسط.
المرج: بميم مفتوحة فراء ساكنة فجيم: الموضع ترعى فيه الدواب.
يرف: بتحتية مفتوحة، فراء مكسورة، ففاء: كثر ماؤه.
الكلأ: بكاف، فلام مفتوحتين، فهمزة مضمومة: العشب، و النبات رطبه و يابسه.