تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٥ - باب صفة خلقه ومعرفة خلقه
قال : فما هذه الشاة التي أراها في فناء البيت؟ قالت : شاة خلّفها الجهد عن الغنم ، فقال : أتأذنين في حلابها؟ قالت : لا والله ما ضربها فحل قط. فشأنك بها ، فدعا بها ، فمسح ظهرها وضرعها ثم دعا بإناء يربض [١] الرهط ، فحلب فيه ، فملأه فسقى أصحابه ، عللا بعد نهل ، ثم حلب فيه آخر فغادره عندها وارتحل. فلما جاءها زوجها عند المساء قال : يا أم معبد ما هذا اللبن ولا حلوبة في البيت ، والغنم عازبة قلت : لا والله إلّا أنه مرّ بنا رجل ظاهر الوضاءة [٢] ، متبلّج الوجه ، في أشفاره وطف [٣] ، وفي عينيه دعج ، وفي صوته صهل [٤] غصن بين غصنين لا يشان [٥] من طول ، ولا يقتحم [٦] من قصر ، لم تعله [٧] نخلة ولم تزر به صعلة [٨] كأن عنقه إبريق فضة ، إذا صمت فعليه البهاء ، وإذا نطق فعليه وقار ، له كلام كخرزات النّظم ، أزين أصحابه منظرا ، وأحسنهم وجها ٦ ، أصحابه يحفون به ، إذا أمر ابتدروا أمره ، وإذا نهى انتهوا عند نهايته ، قال : هذه والله صفة صاحب قريش ، ولا رأيته لأنعته ولا جهول إذا فعل [٩] قال : فلم يعلموا بمكة أين توجه رسول الله ٦ وأبو بكر حتى سمعوا هاتفا على رأس أبي قبيس وهو يقول :
| جزى الله خيرا والجزاء يكفه [١٠] | رفيقين قالا خيمتي أم معبد | |
| هما رحلا بالحق وانتزلا به | قد أفلح من أمسى رفيق محمّد | |
| فما حملت من ناقة فوق رحلها | أبرّ وأوفى ذمة من محمّد |
[١] أي يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا ، والرهط ما بين الثلاثة إلى العشرة (دلائل البيهقي ١ / ٢٨٢).
[٢] الوطف كثرة شعر الحاجبين والعينين والأشفار مع استرخاء وطول. (اللسان) وفي رواية غطف وقيل عطف ، وهو أن تطول الأشفار ثم تنعطف.
[٣] يعني ظاهر الجمال ، وأبلج الوجه يعني مشرق الوجه مضيئه.
[٤] في صوته صهل ، ويروى صحل ، أي كالبحة ، وهو أن لا يكون حادا (دلائل البيهقي ١ / ٢٨٣).
[٥] كذا بالأصل وخع ، وفي دلائل البيهقي : «تعبه نخلة» والنحل : الدقة والضمر.
[٦] يحتمل أن يكون معناه إنه ليس بالطويل الذي يؤيس مباريه عن مطاولته (دلائل البيهقي).
[٧] وفي رواية : لا تقتحمه عين من قصر ، أي لا تحتقره ولا تزدريه (دلائل البيهقي).
[٨] الصعلة : صغر الرأس. (البيهقي) ، ويقال هي الدقة والنحول في البدن (اللسان) وتروى : الصقلة بالقاف ، قال أبو ذر في شرح السيرة : الصقلة جلد الخاصرة ، يعني أنه ناعم الجسم ضامر الخاصرة.
[٩] كذا بالأصل وخع والمعنى مضطرب ، وفي المطبوعة (السيرة ١ / ٢٧٠) : ولو رأيته لاتّبعته ولأجهدنّ أن أفعل ذلك.
[١٠] في دلائل البيهقي :
جزى الله رب الناس خير جزائه قالا : من القيلولة منتصف النهار.