تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٤٢ - باب إخبار الأحبار بنبوته والرهبان وما يذكر من أمره عن العلماء والكهان
طابت أرومته وعزّت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في [١] أكرم موطن وأطيب معدن ، فأنت ـ أبيت اللعن ـ ملك العرب ، [وربيعها الذي تخصب به البلاد][٢] ورأس العرب الذي له تنقاد ، وعمودها الذي عليه العماد ، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد ، سلفك خير سلف ، وأنت لنا منهم خير خلف ، فلن يخمل [٣] [من أنت][٤] سلفه ، ولن يهلك من أنت خلفه. نحن أيّها الملك أهل حرم الله تعالى ، وسدنة بيته ، أشخصنا إليك الذي أبهجنا [٥] من كشفك الكرب الذي فدحنا ، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
قال : وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال : أنا عبد المطلب بن هاشم ، قال : ابن أختنا؟
قال : نعم ، قال : أدن ، فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم ، فقال : مرحبا وأهلا [٦] وناقة ورحلا ، ومستناخا سهلا ، وملكا ربحلا [٧] : يعطي عطاء جزلا ، قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، وقبل وسيلتكم ، فأنتم أهل الليل والنهار ، ولكم الكرامة ما أقمتم ، والحباء إذا ظعنتم.
ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود والإقامة فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ، ولا يأذن لهم بالانصراف ثم انتبه لهم انتباهة ، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال : يا عبد المطلب إني مفض [٨] إليك من سرّ علمي ما أن لم يكن غيرك لم أبح به إليه ، ولكني رأيتك معدنه ، فأطلعتك طلعه [٩] ، فلتكن عندك مطويا حتى يأذن الله تعالى ، فإن الله تعالى بالغ أمره : إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون ، الذي اختزناه لأنفسنا ، واحتجبناه دون غيرنا ، خيرا عظيما وخطرا جسيما ، فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة ، للناس عامة ، ولرهطك كافة ، ولك خاصة.
[١] في البيهقي : في أطيب موضع وأكرم معدن.
[٢] ما بين معكوفتين سقط من البيهقي والمختصر.
[٣] بالأصل وخع «يحمل» والمثبت عن البيهقي.
[٤] في الأصل وخع : منهم ، وو المثبت عن البيهقي.
[٥] عن البيهقي والمختصر ، وبالأصل وخع : انتهجنا.
[٦] زيد في البيهقي : وأرسلها مثلا ، وكان أول من تكلم بها.
[٧] الرّتجل ـ بكسر الراء ـ وفتح الباء ـ الكثير العطاء.
[٨] بالأصل وخع «مفوض» والمثبت عن البيهقي والمختصر.
[٩] بالأصل : «طليعة» والمثبت عن البيهقي.