تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٤٦ - باب صفة خلقه ومعرفة خلقه
كريم كل قوم ويولّيه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسّن الحسن [ويقويه][١] ويقبح [٢] القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل [٣] مخافة أن يغفلوا ويملّوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة وموازرة.
قال : وسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال :
كان رسول الله ٦ لا يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر ، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها [٤] وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي المجلس ، ويأمر بذلك ، يعطي كل جلسائه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا [٥] أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف [٦] ، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها ، أو بميسور من القول. قد وسع الناس منه بسطه [٧] وخلقه فصار لهم أبا ، فصاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس حكم [٨] وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ، ولا توبن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتاته ، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى. متواضعين ويوقرون فيه الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويرفدون ذا الحاجة ، ويحفظون [٩] الغريب.
قال : وسألته عن سيرته في جلسائه؟ فقال :
كان رسول الله ٦ دائم البشر. سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ، ولا يحب [١٠] فيه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه. وترك الناس من
[١] الزيادة عن البيهقي.
[٢] في خع : ويفتح.
[٣] بالأصل : «يقيل» وفي خع : «يعقل» والمثبت عن البيهقي.
[٤] بالأصل وخع : «إطانها» والمثبت عن البيهقي.
[٥] بالأصل وخع : «أحد».
[٦] في خع : المتصرف.
[٧] بالأصل وخع : بسطة وخلقة.
[٨] كذا بالأصل وخع ، وفي رواية : «حلم» (البيهقي).
[٩] كذا بالأصل وخع والبيهقي والمختصر ، وفي رواية : «يحيطون» وفي أخرى : «ويرحمون».
[١٠] كذا بالأصل وخع وفي البيهقي : يحبب.