تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٥ - باب ذكر قدوم رسول الله
رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا ، وهذه عير [١] قومك قد حضر خروجها ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها [٢] ، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك ، وبلغ خديجة ما كان من محاورة [٣] عمه له. فأرسلت إليه في ذلك ، وقالت [٤] له : أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك.
قال أبو طالب : هذا رزق قد ساقه الله إليك فخرج مع غلامها ميسرة ، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما بصرى من الشام ، فنزلا في ظل شجرة ، فقال نسطور الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلّا نبي ، ثم قال لميسرة : أفي عينيه [٥] حمرة؟ قال : نعم لا تفارقه ، قال : هو نبي ، وهو آخر الأنبياء ثم باع سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاح فقال له : احلف باللات والعزى فقال رسول الله ٦ : ما حلفت بهما قط ، وإني لأمر فأعرض عنهما. فقال الرجل : القول قولك ، ثم قال لميسرة : هذا والله نبي تجده أحبارنا مبعوثا [٦] في كتبهم ، وكان لميسرة [٧] إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله ٦ من الشمس فوعى ذلك كله. وكان الله قد ألقى المحبة من ميسرة فكان كأنه عبد له ، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون فلما رجعوا وكانوا بمرّ الظهران [٨]. قال ميسرة : يا محمد انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك ، فإنها تعرف ذلك لك ، فتقدم رسول الله ٦ حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علّية لها فرأت رسول الله ٦ وهو على بعيره وملكان يظلان عليه ، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل عليها رسول الله ٦ فخبرها بما ربحوا في وجههم ، فسرّت بذلك ، فلما دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت. فقال : ميسرة : قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام ، وأخبرها بما قال الراهب نسطور ، وبما قال الآخر
[١] عن خع وابن سعد وبالأصل «غير».
[٢] عيرات جمع عير ، يريد الإبل والدواب (اللسان).
[٣] بالأصل وخع «مجاورة» والمثبت عن ابن سعد.
[٤] بالأصل : «وقال» والمثبت : «وقالت له» عن ابن سعد.
[٥] عن ابن سعد ١ / ١٣٠ وبالأصل وخع «عينه».
[٦] في ابن سعد : منعوتا.
[٧] في ابن سعد : ميسرة.
[٨] موضع على مرحلة من مكة. قال عرام : مرّ : القرية ، والظهران : الوادي.