تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٧٦ - باب تطهير قلبه من الغل وإنقاء جوفه بالشّقّ والغسل
واقتلوني معه ، فإنكم إن تركتموه وأدرك مدرك الرجال ليسفهنّ أحلامكم ، ولينكدنّ أديانكم ، وليدعونّكم إلى رب لا تعرفونه ، وإلى [١] دين تنكرونه [٧٨١].
قالت : فلما سمعت مقالته انتزعته من يده ، وقلت : لانت أعته منه وأجنّ ، ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به ، أطلب لنفسك من يقتلك ، فإنّا لا نقتل محمدا ، فاحتملته فأتيت به منزلي ، فما أتيت ـ يعلم الله ـ منزلا من منازل بني سعد بن بكر إلّا وقد شممنا منه ريح المسك الأذفر ، وكان في كل يوم ينزل عليه رجلان أبيضان ، فيغيبان في ثيابه ولا يظهران. فقال الناس : ردّيه يا حليمة إلى [٢] جده عبد المطلب ، وأخرجيه من أمانتك. قالت : فعزمت على ذلك ، فسمعت مناديا ينادي : هنيئا لك يا بطحاء مكة ، اليوم يرد عليك النور [٣] ، والدين ، والبهاء ، والكمال ، فقد أمنت [أن تخذلين أو تحزنين][٤] أبد الآبدين ودهر الداهرين. قالت : فركبت أتاني ، وحملت النبي ٦ بين يدي ، أسير حتى أتيت الباب الأعظم من أبواب مكة وعليه جماعة ، فوضعته لأقضي حاجة ، وأصلح شأني ، سمعت هدّة [٥] شديدة ، فالتفتّ فلم أره [٦] ، فقلت : معاشر الناس أين الصبي؟ قالوا : أي الصّبيان؟ قلت : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، [الذي][٧] نضر الله تعالى به وجهي ، وأغنى عيلتي ، وأشبع جوعتي ، ربيته حتى إذا أدركت به سروري ، وأملي أتيت به أرده وأخرج من
أمانتي ، فاختلس من يدي من غير أن يمس قدميه الأرض ، واللّات والعزّى لئن لم أره لأرمينّ بنفسي من شاهق الجبل ، ولأتقطعن إربا إربا. فقال الناس : إنا لنراك غائبة عن الركبان ، ما معك محمد [٨]. قالت : قلت : السّاعة كان بين أيديكم ، قالوا : ما رأينا شيئا. فلما آيسوني وضعت يدي على رأسي ، فقلت : وا محمداه ، وا ولداه ، أبكيت الجواري الأبكار
[١] البيهقي : ودين.
[٢] البيهقي : على.
[٣] عن خع والبيهقي غير واضحة بالأصل.
[٤] ما بين معكوفتين عن دلائل البيهقي ، ومكان العبارة بياض بالأصل ، وسقطت العبارة من خع.
[٥] بالأصل وخع : «جدة» والمثبت عن البيهقي.
[٦] بالأصل «فلم أر» وبعدها بياض قدر كلمة ، وفي خع : «فلم أر شيئا» والمثبت «فلم أره» عن الدلائل.
[٧] بياض بالأصل ، والمستدرك عن خع والدلائل.
[٨] بالأصل وخع : «محمدا» والمثبت عن الدلائل.