تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٧٨ - باب تطهير قلبه من الغل وإنقاء جوفه بالشّقّ والغسل
قريش : اركب نركب معك ، فإن شققت [١] جبلا شققنا معك ، وإن خضت بحرا خضنا معك. قال : فركب فركبت معه قريش جميعا فأخذ على أعلى مكة ، وانحدر على أسفلها ، فلما أن لم ير شيئا ترك الناس واتّشح بثوب ، وارتدى بآخر ، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف أسبوعا ، ثم أنشأ يقول :
| يا ربّ إن محمدا لم يوجد | فجميع قومي كلها [٢] متردد |
فسمعت مناديا ينادي من جو الهواء [٣] : معاشر القوم ، لا تضجّوا [٤] ، فإن لمحمد ربّا لا يخذله ولا يضيّعه. فقال عبد المطلب : يا أيّها الهاتف من لنا به؟ قالوا : بوادي تهامة عند شجرة اليمنى ، فأقبل عبد المطلب راكبا فلما صار في بعض الطريق تلقاه ورقة بن نوفل ، فصارا جميعا يسيران فبينما هم كذلك إذا النبي ٦ قائم تحت شجرة يجذب أغصانها ويعبث بالورق. فقال عبد المطلب : من أنت يا غلام؟ فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال عبد المطلب : فدتك نفسي ، وأنا جدك عبد المطلب ، ثم احتمله على عاتقه [٥] ولثمه وضمّه إلى صدره ، وجعل يبكي. ثم حمله على قربوس [٦] سرجه ، وردّه إلى مكة ، فاطمأنت قريش ، فلما اطمأن الناس نحر عبد المطلب عشرين [٧] بعيرا وذبح أكبشا [٨] والبقر ، وحمل طعاما وأطعم أهل مكة.
قالت حليمة : ثم جهّزني عبد المطلب بأحسن الجهاز وصرفني ، وانصرفت إلى منزلي ، وإذا بكلّ خير دنيا ، لا أحسن وصف كنه خيري وصار محمد عند جده.
قالت حليمة : وحدثت عبد المطلب بحديثه كله ، فضمّه إلى صدره وبكى ، وقال : يا حليمة إنّ لابني شأنا ، وددت أني أدرك ذلك الزمان.
[١] في الدلائل : فإن سبقت خيلا سبّقنا معك.
[٢] في البيهقي : كلهم.
[٣] بالأصل وخع : «من حواليهم» والمثبت عن البيهقي.
[٤] في البيهقي : لا تصيحوا.
[٥] بعدها في البيهقي : وعانقه.
[٦] القربوس : حنو السرج (اللسان).
[٧] في الدلائل : جزورا.
[٨] في الدلائل : الشاء.