دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٥٧٤ - إذا عرفت هذا فلنشرع البحث بذكر أدلّة القولين
فهل يمنع الالتزام بالاشتغال هنا عن التمسّك بحديث الرفع هاهنا أم لا؟ لقائل أن يقول: إنّه لا يصحّ التمسّك بالبراءة الشرعيّة، فإنّا سلّمنا أنّه ليس للشارع بيان، إلّا أنّه يمكن إحالة البيان إلى حكم العقل، و لمّا حكم العقل برعاية قصد القربة فلا ضرورة لتعرّضه، فهو مبيّن من جهة المولى، فلا محلّ لجريان حديث الرفع.
و جوابه: أوّلا: أنّه لو سلّمنا حكم العقل بالاشتغال، و لكن لا شكّ في أنّه ليس من الأحكام البديهيّة و الضروريّة العقليّة، بل هو من الأحكام التي اختلفت فيها العقول- كما مرّ تفصيله في المقام الأوّل- و حينئذ لا يكون هذا مجوّزا؛ لعدم بيان الشارع، و لا معنى لاتّكاله على العقول لبيان ما له مدخليّة في حصول الغرض.
و ثانيا: على فرض اتّحاد العقول في الحكم بالاشتغال لا مانع من التمسّك بحديث الرفع [١] أيضا؛ لأنّ جريان أصالة الاشتغال لا يوجب تبديل الشكّ باليقين و ما لا يعلمون بما يعلمون؛ إذ الشكّ موضوع لجريان أصالة الاشتغال، و لا معنى لإعدام الحكم موضوعه، و لا ينفي الحكم مجراه و مورده، بل كان جريانها مؤيّدا لتحقّق عنوان ما لا يعلمون، و الجهل بالحكم الواقعي، فلا ينافي حكم العقل بالاشتغال مع التمسّك بالبراءة الشرعيّة، و لا إشكال في الاختلاف بين حكم العقل و الشرع، فنتمشّى بما يقتضيه الدليل الشرعي.
و أمّا على القول بعدم إمكان أخذ قصد القربة في المتعلّق فهل يمكن التمسّك بالبراءة الشرعيّة أم لا؟ قال المحقّق الخراساني [٢] في آخر كلامه: «لا أظنّك أن تتوهّم و تقول: إنّ أدلّة البراءة الشرعيّة مقتضية لعدم الاعتبار و إن كان قضيّة
[١] الوسائل ١٥: ٣٦٩، الباب ٥٦ من جهاد النفس، الحديث ١.
[٢] كفاية الاصول ١: ١١٤.