خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٨ - و-المجموعة السادسة المعاجم
اللفظ و شريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتّى يردّه إلى موضعه من اتّصال الكلام» [١] .
فقد كان «التحقيق» لديّ، بما للكلمة من معنى، بذل عناية و جهد كبيرين للوصول إلى الحقيقة، سواء كان ذلك في تحقيق عنوان الكتاب و اسم مؤلّفه أو في تحقيق متنه حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربا لنصّ مؤلفه. و لعلّ أبرز تلك الصعوبات بدأت أثناء قراءتي للمخطوطات نظرا إلى ما في الخطّ القديم من إهمال لبعض النقط و الإعجام، و من إشارات كتابيّة لم أستطع فهمها إلاّ بعد الممارسة و الاطلاع، و هذا ما حدا بي إلى تعلّم قواعد الخطّ القديم بأنواعه و الاطلاع عليها، بالإضافة إلى تصحيف النسّاخ و تحريفهم و أخطائهم الخطّية و الإملائية و النحويّة.
ثمّ بدأت الصعوبات و العوائق تكبر، و لعلّ أبرزها: ضبط النصّ و تحريره، و عزو الأشعار إلى قائليها و تخريجها، و لا سيّما أشعار العصر المملوكيّ، و قد بلغت من الكثرة ما يوازي نصف الكتاب، فقد ذكر ابن حجّة زوايا كاملة من شعر شعراء عصره ما لم أجد لها ديوانا أو مصدرا إلاّ كتابه هذا، و لعلّ السبب في ذلك يعود إلى كثرة ما تعرّضت له الكتب آنذاك من نكبات و إحراق و ضياع على أيدي أهل الجهل من المغول و التتار و غيرهم ممّن ساهموا في فقدان قسم كبير من مصادر التراث المملوكيّ؛ إلاّ أنّي لم آل جهدا في التفتيش و البحث و التنقيب عنها في بطون أمّهات الكتب، و لم أضنّ بجهد أو بوقت في سبيل تحقيق الغاية المتمثّلة بتحقيق «خزانة الأدب و غاية الأرب» .
و بعد هذا، أقول: أن ليس من أحد يستطيع أن يخرج هذا الكتاب من الظلمات إلى النور مبرّأ كلّ البراءة من العيب، سليما كلّ السلامة من التحريف، فهذا عصر قد انقطعت-كما يرى عبد السلام محمد هارون [٢] -دونه الرواية، و أوصد أمامه بعض أبواب العلم، و اختفى عن الناس فيه كثير من أعلام الثقافة العربية في ذاك العصر؛ إلاّ أنّني لست ممّن يدّعي العصمة أو يخال فيه السلامة، و لكن حسبي أنّي بذلت فيه غاية الجهد، و التزمت جانب الأمانة، فلم أتصرّف بأيّ حرف إسقاطا أو زيادة إلاّ استأذنت
[١] الحيوان ١/٧٩؛ و تحقيق النصوص و نشرها (عبد السلام هارون) ص ٥٢-٥٣.
[٢] الحيوان ١/٣٨.
غ