خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٧٩ - ٢-الحركة النقديّة في شرح «تقديم أبي بكر»
دورانا على الألسن و مناسبة للاستشهاد به، رغم التعريج أحيانا على المستقبح المرذول من الشواهد، إلاّ أنّ جمع هذه الشواهد المتنوّعة و انتقاءها من رياض الشعر و النثر خضع لعملية نقديّة هامّة و بارزة، فالشواهد كثيرة و ابن حجّة الشارح أمامها «صياد بارع تمرّ الشواهد أمامه، أو يستعرضها، ثمّ يقتنص منها ما يروق له و يجد فيه بغيته مما يناسب حديثه، سواء من حيث جودة الشاهد و جماله و إصابة صاحبه، أو من حيث رداءته و كبوة صاحبه به، ثمّ لا يكتفي الشارح[ابن حجة]بعرض صيده هذا، بل يقرنه بعبارات مختلفة تدلّ على قيمة هذا الشاهد» [١] ، فكثيرا ما تجده يقول: «و من محاسن هذا الفنّ... » ، و «و هذا أحسن ما سمعت... » ، و «و من براعاته... » ، و «و ممّا يستقبح... » ، و «و ممّا يؤخذ عليه... » ، إلى غير ذلك من هذه العبارات الحكمية النقديّة. و مثل هذه العبارات كثير في شرح بديعيّته، و ما يلاحظ فيها أنّ ابن حجّة كان يخرج بين الحين و الآخر عن طريقة التذوّق المحضة و الحكم بالجمال و الحسن، أو القبح و الردّ دون توضيح سبب ذلك، إلى تعليل هذا الحكم و إظهار دوافعه و تبيان مواطن الجودة و الضعف فيه، و في ذلك ما يدلّ على لمحات نقديّة قد ترتقي أحيانا لتصل إلى مرتبة النقد المنهجيّ الموضوعيّ، و قد تنحطّ أحيانا أخرى لتعود إلى البدايات الأولى للنقد المتمثّلة في عبارات «ما أحسن... » و «ما أقبح... » و «ما أجمل... » ، دون أيّ تعليل، و لعلّ ذلك كلّه يعود إلى حبّه لهذا الشاعر أو غضبه على ذاك، و هذا ما يؤخذ عليه في نقده.
لذا كانت كل هذه اللمحات النقديّة تزيّن شرح البديعيّة، لتغنيها و تلوّنها، و لنقف من خلالها على فنّ من فنون التأليف الأدبيّ في ذاك العصر إذ امتزجت فيه فنون الأدب: شعرا و نثرا و نقدا.
ب-الملامح النقديّة في عمل ابن حجّة، و ما دار حوله:
إنّ في شرح البديعيّة ظاهرة ليست بغريبة عن الفكر التأليفيّ في التراث العربيّ الإسلاميّ عامّة، و عصر نشوء البديعيات و ازدهارها خاصّة. فكثيرا ما يصادفنا في قراءة هذا الشرح موقف ابن حجّة من مؤلّفي عصره، و من سبقه، فيتعقّبهم في قضيّة ما، يخطّئهم فيها، أو يردّ عليهم، أو يحدّ من آرائهم، أو يوافقهم و يزيد عليهم، و لا
[١] البديعيات في الأدب العربي ص ٢٣٣.