خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٧٨ - ٢-الحركة النقديّة في شرح «تقديم أبي بكر»
في انتقاد مستقيم القول و أعوجه، بل غايرته فيما جنح إليه من تزغيل إبريز الكلام و بهرجه» [١] ، و بهذا يكون أكثر عدلا من ابن حجّة في نقده، مبيّنا الدافع الذي حمله على هذا العمل. ثم ينطلق أبو بكر إلى نقد بديعيّة ابن حجّة متّبعا طريقة واضحة في ذلك، فيذكر بيت البديعية أوّلا، و يبدأ بتحليله و نقده، من حيث السرقة أو الركاكة و الغوص في مضمون البيت.
و لو رجعت إلى محاكمته لبيت ابن حجّة في «الجناس الملفّق» مثلا و رضاه عن بيته في «الاكتفاء» [٢] لوجدت طريقا نقدية هي أشبه بطرق النقد الموضوعيّ الحديثة، و ما يدلّ على موضوعيّته هذه في نقده أنّه كثيرا ما كان يقف أمام بيت من أبيات البديعية عاجزا عن فهمه فيتركه و يكل أمره إلى غيره دونما حكم صريح، فيقول مثلا في شرح شطر من بيت «الجمع» : «حاولت أن أفهم معنى عجز هذا البيت فلم أوفّق له» [٣] . و بهذا يكون كتاب أبي بكر العلويّ استجابة للحركة النقديّة التي دارت حول هذه البديعية في عصره، و قد أنار بدوره طريق البديعيات الأخرى بومضات نقديّة فاحصة من خلال بديعية ابن حجّة؛ حتى ليمكن القول أن هذه الكتب السابقة لم تتسع دائرتها لتشمل كل البديعيات بل دارت في فلك بديعيّة واحدة نظمها ابن حجّة، و ذلك لما أثارته هذه البديعيّة حولها من حركة نقديّة كادت لولاها أن تكون مفقودة.
٢-الحركة النقديّة في شرح «تقديم أبي بكر» :
لم يقتصر أثر البديعية في الحركة النقديّة على ما دار حولها من آراء و مواقف و قضايا، بل كان لها دور آخر من خلال شرحها الذي نستشفّ في ثناياه ملامح نقديّة تمثّلت في الأمور التالية:
أ-الملامح النقديّة في البناء العام لـ «الشرح» :
من خلال الكلام السابق على مضمون شرح البديعية، يبدو أنّه يعتمد على الفنون البديعية في بادئ الأمر، لينطلق منها جامعا من الشعر و النثر أجمله و أطرفه، و أكثره
[١] إقامة الحجة ص ٤.
[٢] انظر إقامة الحجة ص ٦، ٢٥.
[٣] انظر إقامة الحجة ص ٤٨.