خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٧٠ - ٢-الفوائد العلميّة في هذه المؤلّفات و قيمتها
عن طول باعهم وسعة اطّلاعهم، فكادت أمثلتهم النثرية توازي أمثلتهم الشعرية، فاتّخذوا من أقوال الخطباء، و أمثلة الفصحاء و البلغاء، و خطب العلماء، و مناظرات الأدباء مادّة هامّة في الاستشهاد بها إلى جانب الشعر.
و على طريقتهم في الاستشهاد بالأشعار، ساروا في الاستشهاد بالنثر، فالشاهد النثريّ قد يكون مثلا سائرا، أو بعض خطبة، و قد يطول الشاهد حتى يتضمّن رسالة كاملة، و لعلّ أوضح مثال على ذلك ما جاء في «خزانة الأدب» لابن حجّة، فهو، مثلا عند ما يتحدّث عن «التغاير» يورد قولا لابن أبي الإصبع في بيت أبي تمام ثم يقول:
«و قد عنّ لي هنا أن أرفع للمتأخّرين في التقديم راية ليعلم المنكر الفرق بين البداية و النهاية، فإنّ الشيخ جمال الدين أظهر في المغايرة بين السيف و القلم ما صدق به قول القائل[من الطويل]:
و إنّي و إن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل [١]
من ذلك قوله في رسالة المفاخرة و المغايرة... فبرز القلم بإفصاحه... و قام خطيبا بمحاسنه في حلّة مداده، و التفت السيف فقال... » [٢] ، و يورد على ذلك الرسالة كلّها رغم طولها.
٥-لمحات نقديّة:
إنّ معظم شرّاح البديعيّات استطاعوا أن يميّزوا أثناء شروحهم بين الحسن و القبيح، و الجيّد و الرديء، من خلال لمحات و إشارات عديدة، و وقفات فاحصة متفرّقة في أثناء شروحهم، تعبّر عن موقفهم، و توضّح منهجهم في النقد و تشير إلى ملامح النقد في عصرهم بشكل عام، فما هم إلاّ من هذا العصر و أبنائه، و ما نقدهم إلاّ جزء من نقده. و سيأتي الكلام على هذا في «أثر البديعيات في النقد» .
٦-فنون مختلفة:
من المعروف أن شرّاح البديعيات كانوا على ثقافة إسلامية عربية واسعة، فجاءت شروحهم صورة عن هذه الثقافة، إذ تجد فيها الفقه و التفسير و النحو و اللغة و العروض و البلاغة، بالإضافة إلى ما سبق ذكره، و كلّها فنون بديعة من «المستملح المستطاب» .
[١] البيت لأبي العلاء المعري في سقط الزند ص ١٩٣؛ و خزانة الأدب ٣/٢١٨.
[٢] خزانة الأدب و غاية الأرب، باب التغاير ٢/٢١٨-٢٣٨.