خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٣٢ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
و بعد فترة بسيطة جدّا انطلق علم البديع من قيوده النثرية إلى منظومات شعريّة، عرفت بـ «البديعيات» [١] ؛ كانت قد مهّد لها علي بن عثمان الإربليّ في القرن السابع الهجري، و قد اشتهر من أصحابها صفي الدّين الحليّ، و ابن جابر الأندلسيّ، و عز الدين الموصليّ في القرن الثامن الهجريّ، ثمّ ابن حجّة الحمويّ في القرنين الثامن و التاسع.
هذا، و قد ألّفت منذ أواسط القرن الثالث الهجريّ حتى القرن التاسع عشرات المؤلّفات في البديع، فتحدّثت عن أنواعه و أجناسه و فنونه و ألوانه، و تفاوتت إيجازا و تفصيلا، و عند ما أتيح لابن حجة أن يصنّف «شرحه على بديعيته» كان قد اطّلع على كثير من هذه المؤلّفات التي تناولت أنواع البديع.
و قد نشطت حركة التأليف في البلاغة و علومها في عصر ابن حجّة، فوضعت كتب كثيرة في علوم المعاني و البيان و البديع، و بالرغم من أنّها لم تكن أكثر من شروح و تعليقات أو مختصرات للكتب التي ألّفت في القرون السابقة، إلاّ أنّها كانت تعنى بالبديع عناية أكبر من تلك التي أولته إيّاها الكتب و المصنّفات المتقدّمة، حتى أفردت لفنّ البديع مؤلّفات خاصة، مثل «المطلب المنيع في أنواع البديع» لأبي البقاء الأحمديّ الشافعيّ. ثمّ امتدّت تلك العناية المفرطة بالتأليف في فنّ البديع إلى أبعد من ذلك، فقد شرع علماء البلاغة يؤلّفون الكتب، ليس في فنّ البديع المشتمل على عشرات الأنواع البديعية و حسب، بل ضيّقوا دائرة التأليف، فألّفوا كتبا في جزئيات علم البديع، أو في بعض أنواعه، فقصر بعض العلماء تأليفهم مثلا على نوع «التضمين» ، كما فعل عبد اللّه بن سلامة الادكاويّ في كتابه «الدرّ الثمين في محاسن التضمين» ، و ألّف النواجيّ تلميذ ابن حجّة كتابا في بديع الاكتفاء سمّاه «الشفاء في بديع الاكتفاء» ، و كان للجناس و التورية حصّة الأسد من مجهود المؤلّفين و تأليفهم البديعيّ، إذ تبارى علماء البديع في تأليفهم في هذين النوعين، فألّف أنصار الجناس كتبا فيه منها: «جنان الجناس» للصّفديّ، و «فكاهة الجليس في أنواع التجنيس» للقاياتيّ، و «إزالة الالتباس للتفريق بين الاشتقاق و الجناس» لبدر الدين الحمدانيّ، كما ألّف أنصار التورية كتبا فيهما منها: «كشف اللثام عن وجه التورية و الاستخدام»
[١] و سيأتي الكلام على أهم هذه البديعيات بالتفصيل في الفصل الخامس و ما يليه من هذه الدراسة.